الصفحة 155 من 169

فالرجل والمرأة كلاهما لم يسعدا إذن حين خرجت المرأة عن خط فطرتها الأصيل!

وبعد ذلك ومعه، ذلك الاضطراب والقلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية وضغط الدم والانتحار والجنون .. أعراض مصاحبة كلها للخروج على الفطرة السوية، تدل دلالة واضحة على شيئين معا: الأول أن هناك فطرة يشقى الإنسان شقاء بالغا حين يخالفها. والثاني أن الانحراف عن الفطرة لا يكوّن فطرة جديدة للإنسان .. ولا يلغي واقع الفطرة الأصيلة، أو يجعل الإنسان بلا فطرة على الإطلاق!

وفوق ذلك جميعا .. فلا ينبغي أن ننسى أن هذا الانحراف كله لم يأت به"التقدم"الصناعي، ولم تأت به الحتمية التاريخية والاقتصادية ولا المادية .. وإنما جاء من أن دفعة فطرية أصيلة هي دفعة الجنس قد انحل عقدها وانفلتت من القيد! أي أن انحراف الفطرة قد جاء من داخل الفطرة لا من خارجها كما يحب أن يزعم التطوريون وهواة التفسير المادي والاقتصادي للتاريخ! وقد سبق أن بينا في فصل الانحراف والشذوذ كيف يحدث انحراف الفطرة حين يساء توجيهها أو لا توجّه على الإطلاق!!

فالفطرة إذن شيء حقيقي واقعي له وزن وثقل .. حتى في حالات الانحراف.

والأمر الأخير أن في الإنسان قدرا ضخما من المرونة يخيّل لمن يأخذ الأمر من ظاهره أنه ليس للإنسان كيان ثابت، وأن التطور المادي والاقتصادي هو الذي يصنع الإنسان، على غير قواعد ثابتة ولا نمط معروف.

ولسنا هنا نتحدث عن الانحرافات. بل نتحدث عن حالات نفترض أنها كلها سوية طبيعية .. فما الذي يحدث في حقيقة الأمر حين ينتقل الإنسان من طور اجتماعي إلى طور؟

قلنا من قبل إنه يغيّر فقط صورة الدافع الفطري لا حقيقته الجوهرية.

ونزيد هنا أن في الإنسان جوانب كثيرة متعددة وطاقات مختلفة قد لا تعمل كلها في وقت واحد، لأن الإمكانيات الحضارية، ولأن التوجيه القائم لا يحركانها للعمل جميعا.

ونشبه الأمر بما يحدث في الجسم لتتضح الصورة ..

في الجسم مئات من الأعضاء والأحشاء المفروض فيها أن تعمل جميعا في وقت واحد. ولا يكتمل نشاط الجسم وقيامه بوظائفه الحيوية إلا بعملها جميعا في مجالاتها المقررة. ولكن يحدث في عالم الواقع أن يدرب الإنسان بعض عضلاته فتنمو نموا بارزا، ويهمل أخرى فتضر عن حجمها"الطبيعي". أو يكسل عضو من الأعضاء الداخلية فلا يفرز إفرازه الكامل، أو ينشط نشاطا زائدا فيفرز زيادة عن المقرر .. فهذا كله لا يعني أنه لا توجد مقاييس ثابتة لمكونات الجسم البشري ووظائفه ونشاطاته! وإنما يعني فقط تلك الحقيقة: وهي النمو البارز هنا والضمور هناك .. وحقيقة إن الظروف الخارجية هي التي تصنع ذلك بالجسم. ولكن لا يقول أحد إن هذه الظروف قد خلقت عضوا جديدا أو أزالت أحد الأعضاء!

ونعود إلى عالم النفس ..

هناك جوانب متعددة في النفس ووظائف متعددة ..

وهناك مرونة تسمح ببروز أحد الجوانب بروزا ثابتا أو مؤقتا، وانحسار أحد الجوانب كذلك .. وهناك ظروف خارجية دائمة تؤثر في حياة الإنسان .. وتوجيهات خارجية دائمة ..

ويحدث أن تعمل هذه الظروف والتوجيهات على إبراز جانب معين من الإنسان وإخفاء جانب أو إضعافه ..

فعندئذ لا ينبغي أن يقال: إنه لا يوجد كيان ثابت للإنسان، ولا مقاييس يقاس بها نشاط الإنسان!

وإنما تقال فقط هذه الحقيقة: وهي بروز جانب هنا، وانحسار جانب هناك!

وعندئذ لا ينبغي أن يقال إن الظروف الخارجية هي التي تنشئ هذا الجانب في النفس أو تزيله من الوجود، إنما يقال فقط إنها تقويه أو تضعفه .. ولكنه كائن في صميم الفطرة، كامن أو في حالة بروز!

وهناك محك بسيط لهذه الحقيقة .. إن الظروف الخارجية لا يمكنها مهما أوتيت من سطوة وضغط أن تنشئ في كيان الإنسان شيئا ليس فيه استعداد سابق إليه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت