والتجربة الشيوعية تنبت ذلك ..
لقد حاولت القضاء على رغبة الملك، بكل ما تملك من سطوة وقوة وطغيان. حاولت أن تنشئ كيانا نفسيا ليست فيه هذه الرغبة .. ولكن لأن هذه نزعة فطرية، لم تستطع القوة القاهرة كلها أن تنزعها من النفوس!
وحاولت الرهبانية من قبل قتل الدفعة الفطرية للجنس .. ولكن لأن هذه نزعة فطرية، لم تستطع الرهبانية أن تنزعها من النفوس. ثم انتكست الرهبانية ذاتها إلى جرائم جنسية بشعة في داخل الأديرة والصوامع، ترتكب فيها المحرمات كلها من سوية وشاذة .. الرهبان والراهبات سواء!
وحاولت الدكتاتوريات النازية والفاشيّة والشيوعية أن تقتل النزعة الفردية في النفوس لحساب النزعة الجماعية .. ولكن لأنها نزعة فطرية، أخفقت هذه المحاولات كلها، وعمدت هذه الدول إلى التنفيس عن النزعة الفردية المكبوتة -وإن يكن في غير الميدان السياسي! - فأفسحت المجال للهو والعبث تنساق فيه الشعوب من ناحية، وخلقت اهتماما مصطنعا زائدا بالألعاب الرياضية والمباريات يجد فيه الأفراد منطلقا لنزعتهم الحبيسة!
وحاولت الهندوكية أن تنشئ إنسانا بلا دوافع! إنسانا بلا جسد! إنسانا يعبر عن إشراقة الروح الصافية منفصلة عن قبضة الطين .. ولكن، لأنه لا يوجد استعداد في نفس الإنسان لأن يكون كذلك، أخفقت هذه المحاولة ولم تصنع شيئا إلا السلبية المريضة في نهاية المطاف!
وهكذا تغلب الفطرة دائمًا جميع التوجيهات والظروف المضادة لاتجاهها، المنافية لطبيعتها، ولو خضعت لضغطها القاهر فترة من الوقت تقصر أو تطول! وإنما الظروف والتوجيهات كما قلنا تعمل في حدود تقوية بعض الجوانب الموجودة بالفعل وإضعاف بعضها الآخر .. فما الدلالة التاريخية والإنسانية لهذا الأمر؟
دلالته أن وجود جوانب ناقصة أو ضامرة في العهود التاريخية التي سبقت فترة الرشد في حياة الإنسان، ليس معناه أن هذه الجوانب لم تكن موجودة أصلا، فاستحدثتها الظروف المادية والاقتصادية والاجتماعية والتقدم العلمي، وإنما معناه أنها كانت كامنة فأظهرتها هذه الظروف، أو غير مكتملة النمو فأكملت الظروف تنميتها. وليس معناه كذلك أن كيان البشرية يتغير في جوهره بتغير الظروف. فالخطوط الرئيسية لم تتغير. وإنما تغيرت الصور التي تعبر عنها، وتغير كذلك مدى القوة في التعبير.
ودلالته -بعد أن بلغت الإنسانية رشدها- أن ينبغي لها أن تنظر في نظمها وتوجيهاتها، فتجعلها شاملة للكيان النفسي كله، وعلى وضعه الفطري الصحيح. فلا تبيح الانحراف على أنه تطور، ولا تبيح وجود فراغ في جانب من جوانب الإنسان الفطرية ونشاطاته المتعددة، بحجة أن التطور قد أبطله فلم يعد له وجود. ولا تحلم حلما فارغا بأن في استطاعتها أن تخرج على خطوط الفطرة، أو تنشئ فطرة جديدة، أو تنشئ إنسانا لا فطرة له .. فكل هذه أوهام أنشأتها البهرة بالعلم، والتغير الظاهري الذي حدث في صورة الحياة في القرنين السابقين. ولكن التجارب ذاتها التي حدثت في هذين الجيلين تثبت عمق الفطرة وثقل واقعها، ورسوخها في كيان الإنسان.
وخلاصة هذا الحديث كله أن علم النفس حين يرسم صورة ثابتة للكيان النفسي للإنسان، فهو لا يخالف الحقيقة.
وهو كذلك لا يمنع احتمالات التطور ولا ينفيها من حسابه ..
إنما يجعل في حسابه أن هذا التطور يشمل الصورة ولا يؤثر في الجوهر. وعلم النفس ليس موكلا بالصورة إلا بمقدار ما تعبر عن الجوهر. فلا يهمه أن تكون الصورة التي يرسمها صورة الأمس أو اليوم أو الغد .. إنما يهمه في كل حالة أن يرى إلى أي حد تعبر هذه الصورة عن الجوهر السوي، وإلى أي حد تنحرف عن مسارها الصحيح.