فهرس الكتاب
وحقيقة إن ما وراء الحس هو المنبع الحقيقي لكل شيء. وإن العوامل الغيبية هي التي تسيطر على الكون والحياة. ولكن الله -من وراء الغيب- قد أعطى الإنسان عالما محسوسا يعيش فيه، وأعطاه الأداة التي تتفاهم مع هذا العالم المحسوس وتتعرف قوانينه لتستخدمها وتنتفع بها -وهي العقل- وسخر للإنسان كل ما في السماوات والأرض ["وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ"[1] ]. فأصبح متعينا على الإنسان أن يستخدم ما تدركه حواسه ويؤمن به -مع إيمانه بالغيب- ليتوازن هذا وذاك.
أما الإيمان بالغيب وحده، أو بنسبة زائدة عن المعدل، فهو إهدار للواقع الحسي وتعطيل عن الإنتاج المثمر وقلق كذلك في النفس واضطراب.
والتوازن هو الإيمان بالعالمين معًا، والعمل بمقتضى هذا الإيمان. ["كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ"[2] ].
الفردية والجماعية نزعتان فطريتان، متعادلتان متوازنتان، وهما تؤديان دورهما في حياة الإنسان بهذا التعادل والتوازن. فإذا زادت إحدى النزعتين على حساب الأخرى فذلك انحراف يخل بتوازن النفس.
فحين تزيد النزعة الفردية فهي إما فردية انعزالية انطوائية، وإما فردية أنانية عدوانية. وفي كلتا الحالتين هي مرض وانحراف عما ينبغي للنفس السوية.
الفردية الانطوائية [وهي في الغالب مزيج من مرضين معا: الفردية والسلبية[3] ]تقبع داخل ذاتها ولا تخرج إلى المجتمع ولا واقع الحياة. لقد تجسم فيها جانب الفرد وانحسر جانب الجماعة. وهي ليست شريرة [في الغالب] بل قد يكون منها علماء وفنانون يخدمون البشرية بعلمهم وفنهم. ولكنهم لا يحبون التعامل المباشر مع الحياة ولا يطيقونه .. معاملاتهم ضيقة ومحصورة، وفي حدود الأفراد لا الجماعات. وقد يعطفون على المجتمع جدا، ولكنهم يهربون منه، لأن جهاز التعامل المباشر مع الآخرين معطل في نفوسهم، لا يحدث النشوة الطبيعية التي يحدثها في النفوس السوية .. ولأنهم [في الغالب] طيبون ونافعون بإنتاجهم الفكري، فالناس تتجاوز عن انحرافهم أو شذوذهم، أو تتسلى بالحديث عنه! ولكنه في مقياس النفس اختلال! وهو ليس فريضة على الفنانين والمفكرين! فالاستواء لا يمنع المواهب من الظهور. بل على العكس يوسع مساحتها ويزيد ثمرتها. والمفكرون والفنانون الأسوياء في تركيبهم النفسي أبعد أثرا في الحياة من الانعزاليين الانطوائيين الذين يقدمون للبشرية أفكارهم دون أن يجاهدوا في عالم الواقع لتحقيق هذه الأفكار. ولكل درجات مما عملوا. ولكن بعضهم أفضل من بعض بجميع المقاييس ..
أما الفردية العدوانية فهي التي يحس الناس فيها بالانحراف واضحا، لأن العدوان يظهره ويجسمه. والمصاب بهذا المرض شخص أناني لا يحس بوجود أحد إلا ذاته. وحين يحس بالآخرين، فهو يحس بهم كأن وجودهم يضغط وجوده هو المنتفش الزائد عن حقه! فيكرههم ويعتدي عليهم.
(1) سورة الجاثية [13] .
(2) سورة آل عمران [110] .
(3) سنتحدث في آخر الفصل عن امتزاج الأمراض وتداخلها.