فهرس الكتاب
والطغاة كلهم من ذوي الفردية الأنانية العدوانية. ولذلك فالطغيان مرض نفسي. ولا يمكن أن يلجأ إليه شخص سوي. وهنا الفرق بين الزعامة والطغيان. فالزعيم شخص"عظيم"أي أنه ضخم الشخصية، ولكنه ليس فرديا أنانيا. بل هو محب للجماعة متجاوب معها مخلص لها حسن المعاملة لها. وإنما عظم شخصيته هو الذي يجعله في مكان القيادة، وليس أنانيته الطاغية التي تميل إلى استعباد الآخرين وإخضاعهم. وربما كان المحك الواضح للفرق بين التركيب النفسي للزعيم والتركيب النفسي للطاغية، أن الزعيم يبحث عن القوى والطاقات في الجماعة فينميها، ويفرح كلما وقع على طاقة نافعة فيستعين بها ويدفعها إلى الأمام، بينما الطاغية لا يطيق إلا نفسه، فكلما وجد طاقة بارزة سعى إلى التخلص منها ولو بطريق الغدر الخسيس! ولا يعنيه أن تكون نافعة للمجموع. فنفع نفسه عنده هو الأول والآخر، ولا مصلحة لأحد سواه.
وكما أن الفردية الانطوائية مزيج من مرضين معا: الفردية والسلبية الزائدة، فكذلك الفردية العدوانية مزيج من مرضين: الفردية والإيجابية الزائدة. وفي كلا الحالين ينحسر الجانب الجماعي من النفس ويبرز الكيان الفردي في صورة من الصور. وتختلف درجة السوء من فردية لأخرى، ولكنها في جميع الحالات انحراف عن الاستواء الفطري الجميل.
أما النزعة الجماعية الزائدة .. أو الانسياح في الجماعة .. فهي مرض يذهب بالشخصية أو يضعفها. فالإمعة الذي لا رأي له ولا شخصية، الذي ينساق وراء كل رأي، ويهتف وراء كل ناعق، ويسير تارة إلى الشمال وتارة إلى اليمين .. هو شخص ضاعت فرديته فأمحت شخصيته، وأصبح كمًا مهملا لا حساب له ولا وزن. وهذا مرض خطر. . فإن الله لم يخلق الناس ليذيبوا ذواتهم ويعدموا شخصيتهم على هذا النحو. فضلا عن أن إقامة الحياة الراشدة التي أمر بها الله تحتاج إلى أشخاص ذوي شخصية ورأي وقدرة على احتمال التبعات. أما هؤلاء الإمعات فلا يقيمون شيئًا ولا ينقضون شيئا. وهم هم الوقود الذي يأكله الطغاة، بل هم الذين يشجعون الطغاة على طغيانهم. فالعبيد يصنعون الطاغية. ["فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ"[1] ].
وجميل أن يخدم الإنسان الجماعة ويحبها ويتجاوب معها. وهي نزعة سوية مطلوبة تؤدي دورها في الحياة. أما أن يفنى فيها، فيسايرها وهي صاعدة، ويسايرها وهي هابطة سيان، ولا يفكر في تقويمها حين تخطئ، ولو بالقلب، وهو أضعف الإيمان .. فأمر لا جميل ولا مفيد، فضلا عن الضعف والخزي والهوان.
والسلبية والإيجابية نزعتان فطريتان متعادلتان، فإذا زادت إحداهما أو نقصت حدث في النفس الاختلال.
وقد بينا من قبل دور السلبية السوية، وكيف أنها ضرورية في حياة الإنسان. فأما السلبية الزائدة، سواء كانت انعزالا انطوائيًا عن الحياة، أو انسياحًا في الجماهة تضيع فيه الشخصية وتمحّى .. فهي مرض يبدد طاقة الإنسان الحية ويضيعها بغير ثمرة، أو بغير ثمرتها الكاملة التي كان يمكن أن تؤدى إليها في الحالة السوية. وهي من الأمراض التي تصيب"الشخصية". فالشخص السلبي لا يمكن أن يكون ذا شخصية قوية، ولا يمكن أن يكون له تأثير على الآخرين. [قلنا في الفقرة السابقة إن بعض الانطوائين يكونون علماء وفنانين ينفعون البشرية بإنتاجهم الفكري. ولكن ليس كلهم بطبيعة الحال! وهؤلاء الانطوائيون المنتجون ليسوا سلبيين إلى درجة المرض] فالنفع والتأثير، يحتاجان إلى قدر من الإيجابية يجعل الناس يحسون"بوجود"الشخصية فيحترمونها. ولا يمكن أن يتأثر الناس بشخص لا احترام له في نفوسهم!
(1) سورة الزخرف [54] .