الصفحة 132 من 169

أما الإيحابية الزائدة فانحراف مقابل، يؤدي إلى التبجح والعناد والطغيان والعدوان وعدم احترام حقوق الآخرين ووجودهم.

وقد يبدو لأول وهلة أن الإيجابية الزائدة مزية وفضيلة، فهي تورث الشجاعة وبروز الشخصية واحترام الآخرين لصاحبها. وذلك كله صحيح في الحدود السوية المعقولة. أما حين تزيد عن حدودها فهي مرض متعب! متعب لصاحبه وللآخرين. فصاحب هذا المرض صعب الانقياد جدًا .. حتى للحق! فهو يظن الخضوع للحق حطة ومذلة! وصعب الانقياد للجماعة. فهو نافر ناشز. ولا تستقيم أمور الجماعة حين ينشز أفرادها على هذا النحو. وفوق ذلك كله فهو ذاته لا يعيش في راحة، فهو لا يفتأ يحس أن افتياتا وقع عليه من هنا أو من هنا. وهو إما أن يصل إلى القيادة والزعامة ليتصرف في الناس على هواه، وإما أن ينشز ويشغب على النظام، ولذلك فهو دائم الاحتكاك بالناس حتى يقهرهم أو يقهروه. ولكنه لا يحسن أن يعيش في سلام ومودة مع الآخرين.

وتلك ليست فضيلة بطبيعة الحال .. وإنما هي مرض متعب خطير!

والزوج الأخير من الخطوط المتقابلة التي أثبتناها في هذا الكتاب هو الالتزام والتحرر. وقد بينا من قبل وظيفة كل من الخطين وطريقة تعادلهما في الحياة السوية. فأما حين تزيد النسبة أو تنقص عن معدلها السوي فلا بد أن يحدث انحراف.

حين يزيد الميل إلى الالتزام فإنه يوشك أن يستعبد الإنسان حتى لا يملك التصرف في أبسط الأمور. ويصبح الإنسان بالفعل أقرب إلى العبد منه إلى الشخص الحر .. ولو كان رسميًا من الأحرار!

والموظفون في دواوين الحكومة مثل من أمثلة هذا الانحراف. فقد انطبعوا على الالتزام"بالأوامر"و"الروتين"حتى صارو أدوات عاجزة، تعجز حتى عن التنفيذ السليم للروتين!

والطغيان في أي بلد يسعى إلى بذر هذا اللون من المرض في نفوس الشعب الذي يحكمه، ليأمن على وجوده، ويضمن أن تنفذ أوامره بلا معارضة ولا سؤال.

ولسنا هنا نتحدث عن أسباب الانحراف وإنما نصف مظاهره. ومظاهره هي هذه العبودية الصريحة أو المقنعة التي تتملك المصابين بهذا المرض، فتعجزهم عن التصرف في المواقف التي لا تسعفهم فيها القوالب المحفوظة، ويتعين عليهم فيها أن يتصرفوا من ذات أنفسهم.

وهو -ككل مرض نفسي- درجات مختلفة، تبدأ من الانحراف البسيط إلى الشذوذ. والشذوذ في هذه الحالة يصل إلى العجز الكامل عن التصرف، والنفور من الحرية حين يعطي المريض الحرية. لأنه يحس كأنما الجن والغيلان ستتلقفه في كل خطوة لو خرج عن الروتين المرسوم، أو لو وجد في موقف ليس له روتين سابق محفوظ!

وطبيعي أن مثل هؤلاء الأشخاص -أو الشعوب- يرفضون كل فكرة جديدة ولو كانت صائبة، ويرفضون كل تقدم ولو كان إلى الخير: ["إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ"] [1] .

وعندئذ يكون الالتزام قد جاوز غايته السوية، التي مؤداها إطاعة النظم والقوانين الصالحة على وعي وبصيرة ورشد، وليست الطاعة العمياء التي لا تضيف شيئًا إلى رصيد الحياة وتحول الناس إلا آلات.

أما التحرر الزائد عن الحد فعيبه أنه مرض يجعل صاحبه يستنكف الالتزام بأي أمر من الأمور، وينفر من القيود إطلاقًا ولو كانت قيودًا ضرورية وصالحة. لأنه يرى في الالتزام مساسًا بكرامته، وفي التقيد حدًا من كيانه الذاتي. وهذا مرض ولا شك. فالشخص السوي لا يستنكف الالتزام بالأوامر الصالحة، ولا يحس فيها ما يجرح كرامته. بل على العكس يجد راحة حقيقية في إطاعة داعي الخير والالتزام بأوامره. أما المريض بالرغبة الزائدة في التحرر فقد يتعمد مخالفة كل أمر رغبة في المخالفة ليس غير، لا عن اقتناع حقيقي بأن المخالفة أصوب من الالتزام!

(1) سورة الزخرف [23] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت