الصفحة 133 من 169

والغرب اليوم مصاب هذا المرض إلى درجة الشذوذ .. فهو يستنكف أن يعبد الله، وينفر من القيود الخلقية في سلوكه الجنسي، ويحسب هذا"تحررًا"سويًا، وهو مرض بالتحرر الزائد عن الحد ..

وفي كتاب"الإنسان"وكتاب"معركة التقاليد"وكتاب"منهج الفن الإسلامي"تحدثت عن الأسباب التي أدت بالغرب إلى الإصابة بهذا المرض الذي وصل هناك إلى درجة الشذوذ. ونكتفي هنا بأن نذكر أن"العقلاء"في الغرب، من الساسة والزعماء والمفكرين قد بدأوا يحسون بخطر هذا المرض المدمر، فيدقون لشعوبهم أجراس الخطر، وينذرون هذه الشعوب بأنها معرضة للانحلال والانهيار ..

والغرب -مع ذلك- لم يضع يده على موطن الداء كله .. ولكنه بدأ يحس على أي حال أن ما أصابه لم يكن تحررًا سويًا وإنما هو مرض يحتاج إلى علاج.

أما علم النفس في الغرب فلعله لم يفق بعد من النكسة التي أصابته على يد فرويد .. ولكنه سيئوب حتمًا إلى رشده ويرى الأمر في وضعه الصحيح.

تحدثنا حتى الآن عن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية ومظاهر الاختلال التي تتعرض لها في أثناء النمو. ولعلنا لاحظنا أن بعض مظاهر الاختلال متداخلة بعضها في بعض. فالسلبية الزائدة والالتزام الزائد عن الحد مرضان متشابهان من بعض الوجوه ومتداخلان. وكذلك من الجانب الآخر الإيجابية الزائدة والتحرر الزائد عن الحد. كما تتداخل الواقعية الزائدة مع الإيمان المفرط بما تدركه الحواس، وتتداخل من الجانب الآخر النزعة الخيالية المسرفة مع الإيمان المفرط بما لا تدركه الحواس .. الخ.

وليس منشأ هذا التداخل أن هذه الخطوط -في أصلها السوي- غير متميز بعضها عن بعض. فهي -كما رأينا في حديثنا السابق عنها- متميزة ومستقلة. ولكنها متشابكة كشبكة الأعصاب في الجسم يتصل بعضها ببعض. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن المرض قلما يصيب"عضوًا نفسيًا"واحدًا، وإنما يصيب مجموعة الأعضاء المتشابكة، وتنتقل العدوى انتقالًا طبيعيًا من عضو إلى عضو. كما تحدث -في حالة الجسم- إضابة بالدوسنتاريا في الأمعاء وتتلف الكبد بعد ذلك أو تتلف الزائدة الدودية!

وفضلا عن ذلك فإن العمليات النفسية -كما بينا في فصل"الخطوط المتقابلة"- معقدة شديدة التعقيد. ولا توجد عملية واحدة تصدر عن جزء واحد من النفس، وإنما تصدر عن النفس في مجموعها، مع"تخصص"في أحد الجوانب، لذلك يكون طبيعيًا أن تتعدد مصادر المرض وتتشابه بعض الأعراض.

وننتقل مع الانحرافات خطوة أخرى فنتحدث عما يحدث بالنسبة للدوافع والضوابط من أمراض. وسنجد -مرة أخرى- تشابهًا مع بعض الأمراض التي ذكرناها من قبل، بسبب ما أشرنا إليه منذ هنيهة من تشابك وتعقد في بناء النفس البشرية.

الدوافع والضوابط -في حدودها السوية- تؤدي -كما ذكرنا في الفصل الخاص بها- مهمة المحرك والفرملة في النفس. ولنا ان نتصور ما يمكن أن يحدث حين يكون المحرك أقوى من طاقة السيارة -والفرامل ضعيفة- أو تكون الفرامل لاصقة بالعجلات تمنعها من الاستجابة لدفعة المحرك .. وما أشبه ذلك من اختلالات.

وقد قلنا إن الدوافع بصفة عامة يمكن أن تختصر في دافع أصلي شامل، هو حب الحياة. وهو دافع ضروري وأساسي في مهمة الخلافة التي يقوم بها الإنسان في الحياة. ولكنه دافع خطر حين يزيد عن الحد. فالتعلق الشديد بالحياة مصيره إلى إفساد الحياة ذاتها باللهفة الدائمة التي لا تشبع، والقلق الدائم والاضطراب.

وقد خرجت أوربا من رهبانية القرون الوسطى متلهفة إلى الحياة، ممسكة فيها بأنيابها. وحدث تقدم عظيم في العلوم والإنتاج المادي بهر العيون وزاد القوم تشبثًا بالحياة. وظن الناس أن هذا هو الطريق! وأن التقدم العلمي والمادي لا يأتي إلا من هذا الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت