فهرس الكتاب
ثم مر جيل أو جيلان .. وبدأت الموجة المندفعة تكشف عن مخاطرها .. إن هذا التشبث الزائد بالحياة هو ذاته الذي يصيب النفوس هناك بالقلق والاضطراب النفسي والعصبي وضغط الدم والجنون والإحساس الدائم بالفراغ والخواء، والمحاولة الدائمة للهروب من هذا الفراغ والخواء بالبحث عن متعة جديدة .. أو بالانتحار .. !
وتلك نتيجة طبيعية -غير مستغربة ولا مفاجئة- للتشبث الزائد بالحياة.
فالدوافع الفطرية بصفة عامة -سواء الأصل أو الفروع- خلقت هكذا: لا تشبع بالغذاء الزائد عن الحد، وإنما تنفلت من حيزها المعقول؛ ولا تعود تشبع مهما قدم إليها من الغذاء! وهذا مبدأ الانحراف الذي ينتهي بالشذوذ. وقد استفحل المرض في الغرب ونشأ عنه كل ما هو مشاهد اليوم من انحرافات خلقية واقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية وروحية .. الفوضى الجنسية. وتفكك روابط الأسرة. والرأسمالية. والشيوعية. والشقاء الفردي والجماعي الذي يظلل الأرض بوجهه البشع كما لم تعرفه البشرية قط في تاريخها الطويل .. ثم الحروب المدمرة الكافرة: حربان في ربع قرن والثالثة تهدد العالم بالدمار المفزع الرهيب.
من أجل ماذا؟
من أجل التشبث الزائد بالحياة.
وليس معنى ذلك أن ينصرف الناس عن الحياة لينجوا من هذه الأمراض والاختلالات ..
فالانصراف عن الحياة .. أو ضعف الدفعة الحيوية .. هو الانحراف المقابل. وهو مرض كذلك. لأنه يعطل وظيفة الإنسان الرئيسية التي خلق من أجلها. وظيفة الخلافة عن الله في الأرض. ويؤدي إلى سلبية مريضة لا تنتج ولا تتقدم، ولا تضيف في عالم الواقع جديدًا ينفع الأحياء [كالهندوكية والرهبانية] .
وكلاهما اختلال يصيب الدوافع الفطرية بصفة عامة، ويصدق كذلك على كل دافع بالتفصيل.
قسمنا الدوافع من قبل إلى: حفظ الذات، وحفظ النوع، والملك والقتال، وحب البروز.
ونتحدث الآن عن كل واحد من هذه الدوافع، وما يصيبها -بالنقص والزيادة- من انحرافات.
حفظ الذات، بما يشمله من طعام وشراب، وما يتبعه من حب للراحة والاستمتاع، دافع طبيعي فطري يؤدي مهمته السوية في حياة البشرية.
ولكنه حين يزيد عن حده المرسوم تنشأ عنه ألوان مختلفة من الأمراض والانحرافات ..
الأنانية التي تبحث عن خيرها وحدها على حساب الآخرين. والاستعباد لشهوة الطعام والشراب والملبس والمسكن. والترف والاسترخاء. والقعود عن الجهاد في سبيل الحق ودفع الظلم، حرصًا على سلامة الذات من التعرض للأخطار. وقد جاء في تصريح للرئيس الأمريكي أن مستقبل أمريكا في خطر، لأنه من بين كل سبعة شبان يطلبون للتجنيد لا يوجد إلا سنة يصلحون للتجنيد، والآخرون أفسدهم الترف والإغراق في الشهوات. فضلا عن فرار المجندين من الجيش بنسبة ذريعة، إذ فر في سنة واحدة مائة وعشرون ألفًا من الجيش الأمريكي إيثارًا للراحة وابتعادًا عن الأخطار!
ومن جهة أخرى حين ينقص هذا الدافع تنشأ السلبية المترهبنة التي لا تبالي بالحياة .. فلا تتقدم عن طريقها الحياة.
وقد أشرت في كتاب"منهج التربية الإسلامية"إلى وجوب التفريق بين الزهادة في متاع الأرض، التي يتصف بها المصلحون، والرهبانية السالبة التي لا تهتم بأمر الحياة والأحياء. فهذه الزهادة ليست ضعفا في الدافع الحيوي، وإنما هي ضبط فائق لهذا الدافع، في سبيل القيم العليا في الحياة. وينبغي على أي حال ألا تصل إلى الانصراف الكامل الذي يعطل دفعة الحياة.
وحفظ النوع يتمثل في الدافع الجنسي ..