الصفحة 135 من 169

والزيادة فيه تؤدي إلى أمراض وانحرافات غنية عن الإشارة. والمجتمع الغربي الذي أصيب في نكسته الأخيرة بالسعار الجنسي، يعرض أمثلة شتى لهذا الانحراف .. بما في ذلك الشذوذ الجنسي بمعناه المعروف، والذي ينشأ كنتيحة فرعية لهذا السعار! [جاء في الأخبار أن أمريكا -وهي من أشد البلاد إباحية وفوضى في المسألة الجنسية- طردت ثلاثة وثلاثين من موظفي خارجيتها لإصابتهم بالشذوذ الجنسي، ولأنهم -بهذه الصفة- لا يؤتمنون على أسرار الدولة!]

أما النقص في هذا الدافع فيولد أمراضا أخرى، منها البلادة والسلبية والرهبانية وعدم الإقبال الجاد على الحياة.

وقد تحدث فرويد حديثا مستفيضا -مسرفًا- عن الدافع الجنسي في جميع صوره وأشكاله، وانحرافاته وشذوذاته، وليس من همنا هنا استقضاء هذه الصور وتتبعها. فذلك مبحث متخصص. وسنعود إلى بعض هذا الحديث عند الكلام عن الضوابط وأثرها الزائد بالنسبة للدافع الجنسي. ولكنا نكرر ما أشرنا إليه مرارًا من شذوذ فرويد وانحرافاته وهو يتكلم عن دافع الجنس بهذا الإسراف المعيب.

والملك دافع فطري يؤدي مهمته في الحياة البشرية ..

ولكنه حين يزيد ينقلب إلى أثرة بغيضة لا تشبع، وعدوان على حقوق الآخرين. وهو مرض يصيب الأفراد والشعوب والدول فلا يتركها في راحة، ولا يسلم من عدوانها الآخرون. والاستعمار بكل جرائمه لون من هذا الانحراف يقول علماء الاقتصاد إنه نتيجة"حتمية"وحقيقته أنه انحراف في النفوس.

أما نقص هذا الدافع فنتيجته السلبية والخنوع لعدوان الآخرين الراغبين في مزيد من التملك والاستحواذ!

والقتال دافع فطري ضروري للحياة ..

ولكنه يزيد فينقلب إلى رغبة في العدوان وتلذذ بإذلال الآخرين. ويصل في حالات الشذوذ إلى شهوة في القسوة والتعذيب [سادزم] تلتذ بمنظر الدم، ومشاهدة الألم .. كتلذذ الحيوان المفترس، بل أشد من الحيوان. فمعظم الوحوش لا تفتك إلا في حالة الجوع، ولا تلتذ بتعذيب الفريسة إلا من أجل الحصول على الطعام. وهي وحوش على أي حال.

وينقص هذا الدافع فيتحول إلى خنوع واستسلام وضعف وسلبية ورضا بالمذلة والهوان .. ويصل في حالات الشذوذ إلى تلذذ بالألم الذي يحدثه الآخرون [ماسوشزم] وإلى الاستمتاع بالحياة كلها عن طريق الألم والعذاب!

وأخيرًا حب البروز ..

إنه دافع خطير من دوافع البشرية .. ضروري جدًا. وخطر جدًا في ذات الوقت!

فهو المسئول -في الحياة السوية- عن كثير من ألوان التقدم البشري، وكثير من ألوان الإنتاج، المادي والفكري والروحي سواء ..

وهو المسئول -في حالات المرض- عن كثير من انحرافات البشرية!

حين يزيد حب البروز فهو يتخذ صورًا مختلفة، تتشكل غالبًا بشكل الدافع -أو الدوافع- الأقوى في النفس. فحين يكون حفظ الذات هو الدافع الأقوى يتخذ حب البروز صورة الإسراف في الطعام والشراب والملبس والمسكن. وحين يكون الجنس هو الأقوى يتخذ صورة الإسراف الجنسي والتباهي به. وحين يكون الملك هو الأقوى يتخذ صورة الإسراف في الملك والتباهي بالاقتناء. وحين يكون القتال هو الأقوى يتخذ صورة التباهي بالعدوان.

ولا يمتنع أن تكون الدوافع كلها قوية في وقت واحد، فيتخذ حب البروز صورة الإسراف فيها جميعًا في وقت واحد، على اختلاف في الدرجات .. وفي حالات الشذوذ يصل الأمر إلى"جنون"العظمة .. وهو آخر الطريق!

وفي جميع الدوافع يختلف الجنسان قليلا أو كثيرا في طريقة الانحراف. ولكنهما أشد اختلافا في دافع البروز. فقد يتشابهان -أو يتماثلان- في انحراف الطعام والشراب أو الملك. ولكنهما يختلفان حتما في طريقة البروز. فالرجل يبرز بخصائص الرجولة، والمرأة تبرز بخصائص الأنوثة [إلا إذا حدث اختلال جنسي إضافي يجعل الرجل مخنثا والأنثى مسترجلة] ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت