فهرس الكتاب
وأشد ما تختلف فيه المرأة عن الرجل في مرض البروز، أنها تحب البروز بملابسها، وفتنتها الجسدية .. ويصل الأمر في حالات الشذوذ إلى مرض حب الاستعراض .. سواء بالملابس الشاذة أو المغرية .. أو بالعري لاستعراض اللحم العريان.
وقدر من حب البروز فطري كما قدمنا. وقدر من رغبة المرأة في نيل الإعجاب فطري كذلك ونظيف. ولكنا هنا نتحدث عن القدر الزائد عن الحد السوي. فحب الاستعراض ليس فطرة سوية. بل مرض. وحب التعري للفتنة الجنسية ليس فطرة [ففي الفطرة حياء جنسي] وإنما هو مرض. وهو مرض مستفحل في"الحضارة"الحديثة بصفة خاصة. وفرويد صاحب نصيب وافر في نشر هذا المرض، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت الثورة الصناعية والحربين العالميتين. وانتشر الوباء إلى حد أن الإصابة به صارت شيئا عاديا لا يلفت النظر ولا يثير الإنكار. بل وصل الشذوذ إلى درجة أن الحالة السوية السليمة هي التي صارت تلفت النظر وتثير الاستنكار! ولكن انتشار الأمراض لم يكن قط مبررا لاعتبارها حالة سوية، ولا للقعود عن العلاج!
وقد بدأت الحضارة الغربية -كما قلنا- تتنبه إلى أمراضها. وفي مقدمة هذه الأمراض العمل الدائم بكل الوسائل: السينما والإذاعة والتلفزيون، على إفساد فطرة المرأة، وإقناعها بأن دورها الأصيل في الحياة هو الإغراء!
أما النقص في هذا الدافع فيؤدي إلى سلبية مريضة وانطوائية ونفور من العمل المثمر وانحسار عن الحياة.
أما الانحراف من جهة الضوابط فمتعدد الألوان.
وقد لا نحتاج إلى الحديث عن ضعف الضوابط .. فهو شبيه بالحديث عن زيادة الدوافع عن قدرها السوي. فلن تصل الدوافع إلى حد الإسراف في الحقيقة إلا بسبب ضعف الضوابط التي تضبطها وتحدد لها مسالكها.
أما الإسراف في عملية الضبط فهو الذي يحتاج إلى بيان.
وقد أسرف فرويد في الحديث عن الكبت حتى خيّل للناس أن كل عملية ضبط هي عملية ضارة مدمرة للكيان البشري، معطلة للدفعة الحيوية عن الانطلاق .. وأحسب أننا نتحدث بما فيه الكفاية عن هذا الأمر. ولكن لا بأس هنا من الاستشهاد بفرويد ذاته في التفريق بين الضبط والكبت في كتابه"Three Contributions"حيث يقول إن الكبت هو استقذار الدافع الغريزي، وعدم اعتراف الإنسان فيما بينه وبين نفسه أن هذا الدفع يحق له أن يوجد في نفسه. ثم قال:"وفرق بين هذا الكبت (اللاشعوري) وبين الامتناع عن إتيان العمل الغريزي. فهذا مجرد تعليق للعمل".
فليس كل ضبط إذن كبتا ضارا مقلقا للأعصاب. فضلا عن كون الضبط عملية ضرورية للحياة البشرية لا تستقيم بدونها هذه الحياة. وفضلا عن أنها -كما بينا- عملية فطرية، نابعة من كيان النفس ذاته وليست مفروضة عليها من الخارج.
إنما يحدث المرض من زيادة الضبط عن الحد المقرر، بحيث يغلق مصارف الدافع الفطري أو يضيّق عليها الخناق. وذلك أمر لم يأمر به الله الذي خلق الدوافع والضوابط معا ليعملا -متساندين- في إرساء الحياة البشرية على قواعدها السليمة بلا تفريط ولا إفراط.
حين يشتد الضبط عن قدره الضروري فإنه يمنع تدفق الحياة في مساربها الفطرية كما ينبغي لها .. وهذا يؤدي إلى أحد شيئين: إما أن يضعف الدافع الفطري ويذبل .. وإما أن يتفجر في غير سبيله الطبيعي .. في مسارب منحرفة عن الغاية الأصيلة، أو منقلبة عليها .. وقد بيّن علم النفس التحليلي أن كثيرا من الجرائم متصل بالكبت. أي بالقمع اللاشعوري للدوافع الفطرية، وسد المنافذ النظيفة أمامها. وإن كنا لا نؤمن بكل ما يقول به التحليليون الفرويديون كما سنبين بعد قليل.