الصفحة 118 من 169

وضوابط الأهداف التي تحوّل القتال إلى صراع نبيل لإقرار الحق والعدل والإنسانية الكريمة، صراع الشر والطغيان والانحراف ..

والحرية التي تجعل الإنسان -على مقدرة- يكظم الغيط ويعفو عن الناس ["وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[1] "].

ولا يكون الملك شهوة. وإنما يكون رغبة تحفها الضوابط من كل مكان.

ضوابط الآداب والسلوك التي لا تجعلها مباهاة مؤذية للناس ..

وضوابط الأهداف التي تحول بينها وبين الترف الفاجر الحرام .. وبينها وبين الغصب والنهب والسلب والطريق الحرام. وتحوّلها إلى إيثار جميل نبيل ["وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[2] "].

والحرية التي تكفل للإنسان أن يستعلي على شهوة الملك دون أن يحس بالمذلة أو الهوان ..

وهكذا تتحول الطاقات كلها إلى طاقات رفيعة وقيم عليا.

ولا يحدث الحرمان ..

فالضوابط بأنواعها الثلاثة التي ذكرناها، لا تهدف إلى حرمان النفس من المتاع، ولا تهدف -كما حسب فرويد- إلى إشقاء البشرية!

إنها على العكس -تهدف -فطريًا- إلى سعادة البشرية.

فالنمو"الحر"للدوافع الفطرية .. التي هي في حساب فرويد دوافع كلها جنسية .. هذا النمو الحر لا يسعد البشرية إطلاقًا، حين يمضي هكذا بلا صمام!

والحيوان له صمامه الفطري الذي يحول دون الدمار. فيدرك الحيوان قبل نقطة الخطر ويقفه عن نشاطه ..

أفكان يريد فرويد أن يحرم الإنسان من صمام الأمن؟! أو كان يريد أن يكون النمو"الحر"ممتدًا حتى يدمر كيان الإنسان كله ويتلفه .. لأنه لا يعرف حد الاكتفاء؟!

إن الله في عليائه قد أراد للبشرية الخير، حيثما أراد فرويد لها الدمار!

أراد أن يرفع مستواها وفي الوقت ذاته لا يحرمها من المتاع. فالمتاع الطيب كله مباح:"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [3] ". الطيبات من الشيء: من المأكل والمشرب والملبس والمسكن ومن الجنس ومن الملك ومن القتال ومن حب البروز ..

ثم أراد أن يمنع الطاقة الفطرية الحيوية من الاستهلاك كلها في مستوى الحيوان فلا تنتج شيئًا .. فرفع مستواها ثم حول جانبًا منها إلى"الخلافة".. إلى العمل المثمر الطيب النظيف.

وأراد أن يكون ذلك كله فطرة في نفوس الناس.

ولكنه -هكذا شاءت حكمته- أراد أن يكون الأمر كدحًا:"يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" [4] فتنمية الضوابط -الفطرية- تحتاج إلى الكدح والجهاد والمغالبة لتيار الشهوات الدافق .. المغالبة الدائمة التي لا تفتر ..

وإلا .. فالشهوة العنيفة عرضة لأن تهدم الحواجز الضعيفة، وتغرق القيم العليا، وتردمها في الأوحال! .. وعند ذلك ينشأ الشر في حياة الإنسان!

(1) سورة آل عمران [133 - 134] .

(2) سورة الحشر [9] .

(3) سورة الأعراف [32] .

(4) سورة الانشقاق [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت