الصفحة 117 من 169

وفي مبدأ الأمر يتألم ويصرخ ويبكي .. ثم يتعود .. وحين يتعود بالفعل .. ثم حين يتعلم -بعد مرحلة أخرى من النمو- أنه لا يجوز له أن يفرض أنانيته على اللآخرين، لا لأنه لا يستطيع، ولكن لأن هذا أمر غير جائز وغير لائق .. تكون الضوابط قد قطعت شوطًا هامًا في طريق النمو، وتكون في هذه المرة ضوابط"خلقية"بمعناه المباشر الذي يعرفه الكبار.

وفي أثناء ذلك كله تقوم التربية على عنصرين في آن واحد: التوجيه المباشر الذي يزين بعض الأعمال وينهى عن بعضها الآخر. والقدوة التي يقتديها من أبويه والمحيطين به. وهذه القدوة عامل مهم جدًا في التربية والتوجيه وعظيم الخطورة إلى أقصى حد. والقدوة المباشرة -من الأبوين والأقرباء والأصدقاء- لها الأثر الأكبر ولا شك. ولكن المجتمع كله قدوة على نطاق واسع، يلتقط منه الطفل قيمه وأخلاقه وتقاليده على غير وعي منه. ويؤثر ذلك كله في بناء الضوابط الداخلية وبناء الضمير.

وفي مرة من المرات يبدأ التفكير في الخلق والخالق. يبدأ التفكير في الله والعقيدة.

وقد سبق الحديث عن هذا الموضوع. في فصل"الدين والفطرة".

ولكنا نلاحظ هنا فقط أنها عملية فطرية. وأن العقيدة -حين تأخذ وضعها الفطري في نفس الطفل -تروح تنمّي هي الضوابط في داخل النفس وتقويها، وتستغل ما تجمّع من طاقة حيوية وراء الحواجز في مستويات أعلى من الدفعة الغريزية المياشرة ..

ويأتي يوم .. بطيء وتدريجي ... ينضج فيه الإنسان ..

تكون الضوابط والحواجز قد أخذت بنيتها الكاملة، وراحت تؤدي عملها الكامل في داخل النفس.

عندئذ تكون قد التقطت التوجيه الكامل والتهذيب الصحيح من البيئة من حولها: من الأم والأب. ومن غيرهما من المحيطين بالطفل، ثم غيرهم ممن يحتك بهم الإنسان. [وحتى الآن نفترض في كل بحثنا أن التوجيه كامل والتهذيب صحيح والنفس سوية .. وفي الفصل القادم نتحدث عن الانحراف والشذوذ] .

عندئذ تعمل الضوابط عملها الفطري على نسقه الأعلى ..

عندئذ لا يكون الطعام شهوة .. وإنما يكون رغبة تحفّها الضوابط من كل مكان.

الضوابط التي بدأت غير واعية، ثم تحولت رويدًا رويدا إلى دائرة الوعي.

من سلوك وآداب في تناول الطعام تمنعه أن يكون شرها وحيوانية وبطنة.

وأهداف تمنع التناول الحرام، والأثرة البغيضة، وتتحرى الحلال الطيب وتؤثر الآخرين.

وحرية لا تجعل الطعام ضرورة قاهرة. إنما تتيح للإنسان -فترة من الوقت على الأقل- أن يستعلي على الضرورة ويتحرر من القيد.

ولا يكون الجنس شهوة .. إنما يكون رغبة تحفّها الضوابط من كل مكان.

ضوابط السلوك والآداب، التي تمنع الفوضى الجنسية في المجتمع. وتمنع ممارسة الجنس -حتى في النطاق المشروع- على طريقة البهائم: دفعة جسدية بلا مشاعر ولا عواطف ولا وجدان.

وضوابط الأهداف التي تمنع الإسراف فيه وتمنع أن يكون هو هدفًا في ذاته. وترتب عليه نظما خلقية واجتماعية وسياسية وفكرية وروحية ["وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً"[1] ].

والحرية التي تجعل الإنسان -لفترة من الوقت على الأقل- يستعلي على ضرورة الجنس ويتحرر من القيد.

ولا يكون القتال شهوة .. وإنما رغبة تحفّها الضوابط من كل مكان.

ضوابط السلوك والآداب التي تمنع الغدر والخيانة والتعذيب والتمثيل ["إن الله كتب الإحسان على كل شيء .. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته[2] "].

(1) سورة الروم [21] .

(2) انظر فصل"وليرح ذبيحته"في كتاب"قبسات من الرسول".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت