الصفحة 116 من 169

ورويدًا رويدًا يعطى الطفل طعامًا آخر غير الثدي، ويتعود على التنوع. أي تنمو في نفسه الفرملة التي تقوم بتنويع مسار الدافع الفطري، فلا يعود مسارًا واحدًا محددًا على طريقة الحيوان!

ورويدًا رويدًا كذلك يعطى الطفل حضنًا آخر غير حضن الأم .. ويتعود على التنوع هناك!

ثم يأتي دور الفطام ..

وهو أشد صدمة يصاب بها الطفل وأقساها .. وأعظمها أثرًا في نفسه. ويحسن بطبيعة الحال أن تكون تدريجية جدًا، وطويلة الأمد، حتى لا تترك هزة في نفس الطفل.

ولكنها تحدث في النهاية على أي حال ..

وحين يتعودها الطفل في النهاية يكون قد نما حاجز مرتفع في داخل النفس، يحوّل شهوة الثدي نهائيًا إلى طريق جديد!

ويماثلها دور الفطام"النفسي"من الأم، حين يفد وافد جديد .. وهي صدمة كذلك شاقة وعنيفة وقاسية، وينبغي أن يخفف وقعها على نفس الطفل بكل وسيلة ممكنة .. ولكنها تحدث على أي حال بصورة من الصور. ويتعود الطفل في النهاية ألا ينظر إلى أمه على أنها الملك الخاص الذي يتصرف فيه وحده بلا شريك!

وحين يتعود ذلك يكون قد نما في نفسه حاجز مرتفع، يحوّل شهوة الحضن -الحسي والمعنوي- في طريق جديد ..

وفي هذا الأمر يستوي الطفل الذكر والطفل الأنثى بغير فارق ملحوظ .. ولا يوجد ظل لقصة العشق الجنسي المزعوم، ولا تتجه الغيرة إلى الأب أو الأم وإنما إلى الوافد الجديد!

ثم تندرج الحواجز وتتنوع ..

يكبر الطفل ويأخذ في الحركة والمشي .. ويأتي بأفعال لا عداد لها، بعضها صالح وبعضها ضار. فهو بعدُ قليل الإدراك لا يعرف ما ينفع وما يضر .. ثم إن هذه الأفعال هي طريقه الذي لا طريق غيره إلى المعرفة. معرفة باللمس. ومعرفة بالذوق. ومعرفة بالنظر. ومعرفة بالسمع. ومعرفة بالشم.

ولكن أمه وأباه ينهرانه عن بعض تلك الأعمال المحببة إليه .. وهذا النهر يؤلمه ولا شك وخاصة في بادئ الأمر، فيغضب ويبكي ويحتج. ولكنه بعد قليل يتعود. ومع كل نهرة أو زجرة ينمو في داخل النفس حاجز جديد.

وفي هذه الأثناء يتم بين الوعي واللاوعي أمر ذو أهمية بالغة في حياة الإنسان .. فالطفل الذي يتلقى هذا الزجر والنهي من والديه [والتشجيع على الأعمال المستحسنة من جانب آخر] يتلبس -بلا وعي في بادئ الأمر، ثم بوعي وإرادة بعد ذلك- بشخصية والديه اللذين ينهرانه أو يقدمان له التشجيع، فتنمو في داخل نفسه شخصية جديدة آمرة ناهية، مشجعة مستحسنة، تزين له بعض الأعمال وتمنعه من بعضها الآخر، هي مزيج من شخصيته هو الذاتية وشخصية الوالدين [أحدهما أو كليهما] .. وفي هذه الشخصية المزودة تنبت النوابت الأولى من الضمير ..

ويخرج الطفل من نطاق ذاته رويدًا رويدًا إلى العالم الخارجي .. إلى المجتمع .."فيتعامل"مع الناس. مع الوالدين أولا، ثم مع الإخوة إن وجدوا. ومع الأقوياء والأصدقاء .. ثم مع الغرباء.

وفي كل نوع من أنواع هذا التعامل تنمو حواجز جديدة وضوابط. فهي يتعلم -بالتجربة- أنه ليس كل ما يريده يحصل عليه. أو يمكن أن يحصل عليه. فقد يريد أمرًا مستحيلا لا سبيل إلى تحقيقه: كأن يريد بقوته الصغيرة زحزحة الحائط من مكانه، أو إنزال القمر من السماء ليلمسه بيديه! وحين يتعود أن يرضى بهذه الأمور تكون الموانع الداخلية قد نبتت بالفعل واستقر بها المقام.

وفي كل مرى تكون عملية شاقة ومجهدة ومؤلمة. ويسبقها في كل مرة بكاء طويل وعويل. ولكنها في النهاية تتم .. لأن هناك استعدادًا سابقًا في النفس لإقامة الحواجز في طريق الشهوات!

ثم إنه في تعامله مع الناس تصطدم أنانيته بأنانيتهم، ويتعلم بعد فترة أنه لا يستطيع في كل مرة أن يفرض أنانيته هو على الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت