الصفحة 115 من 169

وفي حالة الكلام يحتاج الطفل أن يسمع أولا أصواتا مختلفة ترتبط في حسه بمدركات معينة، ثم يحاول تقليدها ليتغلب على"الثقل"الموجود في لسانه وحنجرته وحباله الصوتية. فتأتي"القوة الرافعة"في هذه الحالة من الآخرين عن طريق أذني الطفل، وتحاول في جهد بطيء دائب أن"تشد"في كل مرة حبلا من حبال الصوت، وعقدة من عقد اللسان.

ومع ذلك لا ينكر أحد أن القدرة على المشي والقدرة على الكلام قدرتان فطريتان، وهما في حاجة لتحقيقهما في عالم الواقع إلى كل هذه الجهود!

والقيم العليا -الفطرية- تواجه"ثقلا"ضخما جدا في كيان الإنسان .. تواجه النوازع الفطرية كلها، بكل شدتها وعرامتها، وكل ضروراتها القاهرة التي لا قبل للإنسان -وحده- بموازنتها فضلا عن التغلب عليها. ولو لم يتدخل الآخرون لضبطها وقيادتها فهي -كنقلة الجسم التي تمنع الطفل من المشي، وثقلة اللسان التي تمنعه من النطق- كفيلة بأن تقعد بالإنسان على الأرض، لا يرفرف بروحه في السماء!

ومن ثم فهي في حاجة إلى جهد دائب لتنميتها وتدريبها وتقويتها .. وإلا كانت هزيلة ممسوخة، لا تعبر عن وجودها في عالم الواقع، ولا تسجل حقيقتها في عالم العيان ..

وهذا الجهد هو الذي تقوم به التربية في حياة الإنسان.

مهمة التربية هي إقامة الحواجز أمام الدوافع الفطرية .. لا لكبتها من منبعها، ولكن لرفع مستواها، وتحويل طاقتها إلى عمل وإنتاج .. أي إلى"قيم"مختلفة المجالات والدرجات.

وهذه القيم -ككل شيء في حياة الإنسان- تبدأ في النطاق الحسيي، ثم تعبر الجسر إلى النطاق المعنوي، ثم تظل طيلة حياة الإنسان تتراوح بين هذا وذاك، وتجمع بين هذا وذاك.

عالم الطفل -في فترة من الفترات- هو الثدي والحضن .. ولا زيادة.

واشتهاؤه الثدي والحضن هو اشتهاء بيولوجي .. وضرورة لحفظ كيان الطفل من الجوع، ومن أي أذى يصيبه إذا لم يكن في حضن أمه الحنون.

وفي الأسابيع الأولى يكون إدراك الطفل ضئيلًا جدًا .. ولا فرصة هناك لنمو أية قيمة نفسية في وجدانه .. لأنه يعيش عندئذ في محيط جسمه بطريقة مباشرة ..

ثم تنشأ الضوابط رويدا رويدا في هذا العالم الصغير الذي يعيش فيه ..

إنه في مبدأ الأمر يطلب الثدي ويعطاه .. ويطلب الحضن ويعطاه.

ولكن الأم ترى بعد فترة أنه"يحسن"تعويد الطفل الاكتفاء بعدد معين من الرضعات، وزمن معين في كل رضعة .. كما ترى أنه يحسن تركه بعيدًا عن الحضن فترة من الوقت ..

ولا شك أن هذا لا يكون على هوى الطفل! فهو أمر لا يسير في تيار شهواته، بل يقف حاجزًا في طريق هذه الشهوات ..

إنه في الحقيقة أول خطوة في سبيل إبراز الحاجز الداخلي الكامن في باطن النفس!

لقد جاء المنع من الخارج .. نعم .. ولكنه -طوعًا أو كرها، وبوعي أو غير وعي- ينشئ عادة في داخل النفس. عادة الامتناع عن شيء مطلوب ومرغوب ومحبوب.

وهي عملية يصاحبها الألم ..

ولكن الألم ليس منشؤه أنها مفروضة عليه من الخارج دون استعداد لها من الداخل! فنمو الأسنان يصاحبه الألم! ولم يقل أحد إن نمو الأسنان مفروض على الإنسان من خارج كيانه!

ولو لم يكن هناك رصيد في الفطرة لتقبل هذا المنع، والرضوخ له، والتعود عليه، لما حدث ذلك أبدًا! ولظل الطفل يبكي وقته كله من الألم دون أن يتعود قط على الامتناع!

ولكن الذي يحدث أن فترة الألم الأولى يتبعها التعود على هذا المنع بحيث يخف الألم تدريجيًا ثم يزول.

عند ذلك يكون الحاجز قد ارتفع فعلًا في داخل النفس وقام بعملية الحجز لشهوة الثدي وشهوة الحضن. ولكنه حجز غير كامل. حجز جزئي لفترة من الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت