الصفحة 114 من 169

إن هنا"قيما"في حياة الإنسان أعلى من الطعام والشراب والجنس .. أعلى من عالم الضرورة القاهرة .. وهي قيم ذات أثر واقعي في حياة الإنسان!

والإحساس بالجمال موكل بأمور عظيمة الخطر في حياة الإنسان ..

إنه الركن الأكبر في عالم الفنون .. وهو كذلك ركيزة كبرى للعقيدة.

وقيام الفنون على الحس الجمالي أمر واضح لا يحتاج إلى بيان. فالفنون كلها -من زواياها الخاصة- تعالج ألوانا مختلفة من الجمال ومن الإحساس بالجمال: الصورة المعبرة بالألوان والأضواء والظلال. واللحن المعبر بالأصوات والأنغام. والأدب المعبر بالألفاظ. كلها تبحث عن الجمال، وتعبر عنه في صورة جميلة.

أما ارتباط الجمال بالعقيدة فبيانه أن العقيدة تعتمد -فيما تعتمد- على إحساس الإنسان بأن هذا التصرف أو هذا الإحساس أو هذه الفكرة تصرف جميل أو إحساس جميل أو فكرة جميلة .. ومن ثم يستجيب لها الإنسان، استجابة لحاسة الجمال، وتلبية للدافع الذي يدفع الإنسان أن يحب الجمال ويصنع الجميل!

ومن ثم يؤدي الإحساس بالجمال دوره الخطير في حياة الإنسان ..

وكلما ارتفعت الفطرة السوية في مجالاتها العليا، زادت قيمة هذا الإحساس في النفس، وزاد دوره التوجيهي في الحياة ..

ففي الآفاق العليا تدرك النفس السوية نواميس الكون الأكبر وما تشتمل عليه من تناسق وتوافق وجمال. وتحس أنها جزء من ذلك الناموس.

جزء متناسق متجاوب متناغم .. لا جزء متنافر منحرف عن الناموس ..

وعندئذ تجعل سلوكها متناسقا مع فطرة الكون .. متناسقا مع الجمال الذي يشتمل عليه .. !

وعندئذ تترفع عن النكسة والهبوط إلى عالم الضرورة، وهي تستمتع بالجمال في أففها الطليق.

تترفع عن الجريمة. وتترفع عن الرذيلة. وتترفع عن الخضوع المذل للضرورة القاهرة .. لأن الجمال انطلاق من الضرورة، وانعتاق من القيود [1] ..

وتلك هي القمة التي ينتهي إليها الإحساس بالجمال .. القمة التي يلتقي فيها الجمال بالكمال. والتي تصل الإنسان في أفقه الأعلى بالله.

وفي جميع تلك الآفاق رأينا حقيقة واحدة ..

إن القيم العليا جزء من كيان الإنسان الداخلي، ليست مفروضة عليه من خارج نفسه، ولا تملك قوة أن تفرضها فرضا على النفوس!

إنها انبثاق ذاتي من كيان الإنسان ..

ومع ذلك فهي في حاجة إلى معاونة من الخارج لكي تأخذ مجالها الصحيح .. ولو لم تحدث هذه المعاونة الخارجية فهي عرضة لأن يتأخر نموها في النفس .. أو ينحرف عن سواء السبيل.

فلننظر إذن ما الذي يعوقها عن النمو الذاتي ويحوجها إلى عون الآخرين ..

القدرة على الكلام والقدرة على المشي قدرتان فطريتان يولد بهما الإنسان، ومع ذلك لا تتم إحداهما إلا بمعاونة الآخرين.

والقيم العليا كذلك جزء من كيان الفطرة ولكنه يحتاج إلى معونة الآخرين .. وإن اختلف في كل حالة نوع العائق ونوع العون الذي يبذل للتغلب عليه ..

في حالة المشي يحتاج جسم الطفل اللين العضلات إلى"قوة"رافعة توازن ثقل الجسم ثم تتغلب عليه .. ريثما تشتد هذه العضلات فتؤدي هذه المهمة بذاتها دون معونة من الآخرين. وإذا لم توجد هذه القوة الرافعة سواء كانت يد الأب أو الأم أو أحد القريبين من الطفل .. أو المقعد أو المنضدة أو الحائط أو الباب أو السور .. فالأرجح أن يظل الطفل قعيدًا كسيحا، يزداد ثقل جسمه وتزداد رخاوة عضلاته، فلا تحمل الثقل المتزايد، وتعجز عن النهوض ..

(1) انظر فصل"الجمال في التصور الإسلامي"من كتاب"منهج الفن الإسلامي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت