الصفحة 113 من 169

حتى الصورة الدنيئة المزرية التي يرسمها علم الاجتماع"التقدمي"للإنسان، الذي يزعم أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام .. حتى هذا"العلم!"لم يستطع أن ينكر هذه الحقيقة .. فمن بعد أن زعم زعمه هذا المنكر، قال إن الإنسان لم يكتف بالحصول على الطعام، وإنما سعى إلى"تحسين"الطعام ذاته وتحسين وسائل الحصول عليه ..

وهنا رانت الغشاوة على أصحاب المذهب فلم يبصروا الحقيقة وهي أمامهم يلمسونها لمس العين ولو تفتحت منهم البصائر والقلوب! الحقيقة"الإنسانية"ليست هي البحث عن الطعام .. فالحيوان كذلك يبحث عن الطعام .. ولكنها هي السعي إلى"تحسين"الطعام ووسائل الحصول على الطعام .. هي الرغبة في"الكمال"!

وكل"التطور"البشري -سواء منه التطور السوي والتطور المنحرف -كان الدافع من ورائه هو هذه الرغبة الكامنة في أعماق الإنسان أن يصل إلى أقصى ما يستطيع من"الارتفاع".. أن يحقق أقصى ما يستطيع من"الكمال". وإنما ينحرف الإنسان في تطوره -كما يصيب الانحراف كل نشاط بشري- حين تنقلب"القيم"في حسه، فتنقلب بصيرته، ويرى الهبوط والنكسة هما التطور والارتفاع! فيحسب أنه مرتفع حين يتخلى عن دينه وأخلاقه، وأنه متطور حين يتخلى عن قيود"الإنسان". ولكنه لا يصنع ذلك وفي حسه أنه هبوط وانتكاس [إلا في الفطرة المريضة التي تلجأ إلى الجريمة على وعي بأنها جريمة، لترضي في نفسها نزعة البغض والإيذاء] :"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" [1] .

وكل التقدم الآلي والعلمي والحضاري والفكري كان وراءه هذا الدافع .. الرغبة في الكمال .. الشعور بأن هناك نقصا يجب إكماله .. في هذا العلم .. أو في تلك الآلة .. أو في ذلك النظام .. أو في تلك الفكرة .. وكلما خطا الإنسان في ذلك كله خطوة، استشرف أفقا أعلى، وبانت له إمكانيات جديدة، وتطلع إلى"كمال"جديد. والكمال لا يتحقق أبدا في عالم الواقع، ولكن الرغبة الدائمة فيه تظل تدفع الإنسان وتدفعه ليحصل كل يوم على نصر جديد!

وبذلك تصبح هذه القيمة"الخيالية"قيمة حقيقية واقعية .. بل تصبح أعظم القيم في حياة الإنسان!

والجمال ...

الإحسال بالجمال من أعجب الأعاجيب في كيان الإنسان ..

كيف يحدث؟!

كيف يحدث التوافق بين الحس البشري وبين الجمال الخارجي؟

إن"العلم"كله يعجز عن تفسير"ماهية"هذا الإحساس، كما يعجز عن تفسير كل الظواهر النفسية الأخرى، ويكتفي بتسجيلها، وتصويرها"من الظاهر"وتتبع مظاهرها. وإلا فالعلم لا يعرف كيف يحدث الإدراك. وكيف يحدث التذكر. وكيف يحدث التفكير ... ولا يعرف كذلك كيف يحدث الإحساس بالجمال. ولكنه يسجله فقط ويتتبع مظاهره المختلفة .. والفن كذلك .. يسجل مظاهر هذا الإحساس دون أن يتعرض لماهيته أو يدرك منشأه .. ولكن العلم والفن يلتقيان في أمر واحد .. هو أنه إحساس فطري -يزيد في بعض النفوس أو ينقص- ولكنه لا يفرض على النفس من الخارج، ولا يملك أحد أن يفرضه على النفوس!

فما الدلالة وراء هذا الإحساس؟

إن الإنسان يحس بالجمال ألوانا مختلفة من الأحاسيس ..

يحس بالجمال الحسي .. في المنظر الجميل، والوجه الجميل والجسم الجميل واللون الجميل والصوت الجميل .. إلى آخر هذه المجالات، وهي مجالات واسعة متعددة الدرجات والآفاق ..

ويحس بالجمال المعنوي .. في الفكرة الجميلة والإحساس الجميل والسلوك الجميل .. إلى آخر هذه المجالات، وهي كذلك مجالات واسعة متعددة الدرجات والآفاق ..

وهو إحساس فطري ..

والدلالة واضحة ..

(1) سورة الكهف [103 - 104] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت