أو ليس يقتضي الفرض الذي افترضه فرويد أن يكمل الصورة فيقول إن الملك هو انعكاس فكرة الخير في كيان الإنسان؟ أم نستخدم الفرض الواحد حين يكون في سبيل تلويث صورة الإنسان وتشويهها، وترفض استخدامه هو ذاته حين يؤدي -بنفس المنطق- إلى إضفاء النظافة والشفافية على كيان الإنسان؟!
وفرويد -مرة أخرى- يحسب على الإنسان كل نية"مكبوتة"بسبب عجزها عن الظهور على السطح واتخاذها مجراها العملي في السلوك. يحسبها عليه عنصرًا مكوّنًا للنفس مع أنها كامنة لم تظهر. فيحسب على الطفل الذكر -في زعمه- كراهيته لأبيه مع أن هذه الطراهية تُكبت -كما يقول- بفعل الحب السابق الذي يتوجه به الطفل إلى أبيه [كتاب Totem & Taboo ص129] ، وكذلك كراهية الطفلة الأنثى -في زعمه- لأمها. ويحسب عليه الرغبة الكامنة في تحطيم المجتمع [الذي يمثل -في زعمه- كل القيود المقيّدة لنشاط الفرد] حتى ولو لم تتخذ -بسبب العجز- أي خطوة في سبيل التنفيذ العملي، وبقيت كامنة في اللاشعور! ويحسب عليه الرغبة في تحطيم الدين والأخلاق والتقاليد [التي تقف حائلا دون النمو"الحر"للطاقة الجنسية] ولو بقيت رغبة كامنة في اللاشعور بسبب العجز عن التنفيذ.
أوليست تقتضي الاستقامة الفكرية"العلمية"-إذا حسبنا على الإنسان نواياه السيئة وميوله الشريرة وهي كامنة لا تأخذ سبيلها إلى التنفيذ- أن تحسب له نواياه الطيبة وميوله الخيّرة حتى إن كانت -بسبب العجز- لا تأخذ سبيلها إلى التنفيذ؟! أم نستخدم الفكرة حين"تخدمنا"في تلويث صورة الإنسان وتشويهها، وترفض استخدامها -هي ذاتها- حين تؤدي -بنفس المنطق- إلى إضفاء النظافة والشفافية على كيان الإنسان؟!
وبعض الفنون"الواقعية!"ترسم الإنسان في صورة سافلة منحطة دنيئة، أسوأ بكثير حتى من"الواقع"المنحرف الذي يعيش فيه هذا الجيل من البشرية، بحجة أنه لو خلّيَ بينه وبين هذا الشر كله لفعله! لأنه مفطور على الدناءة والخسة والانتهازية والطمع والأنانية والبغض والإيذاء .. لو لم تحل دونه القيود المفروضة عليه من الخارج. أفلا تقتضي"الواقعية"كذلك أن ترسم الإنسان في الصورة المقابلة لأنه لو قوينا ضوابطه وأقمنا بنيانه النفسي على أساس متين لفعل كثيرًا من ألوان الخير؟!
وعلم الاجتماع"التقدمي"يقيم بنيانه كله على أساس أن القوى المحركة لسلوك الإنسان هي قواه الجسدية: البحث عن الطعام. والبحث عن المسكن. والبحث عن الجنس .. وأن"الحق والعدل الأزليين"وغيرهما من القيم العليا أحلام تخديرية تخدر الناس عن الواقع السيء الذي يعيشون فيه .. ثم .. ؟! ثم يزعم أصحاب هذا المذهب أنه حين تقوم الطبقة الكادحة بتحطيم الطبقات الأخرى كلها وإلغاء الملكية وإلغاء الفروق بين الناس .. تقوم"العدالة"في المجتمع ويستقر"الحق"الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أي .. ماذا؟!
أي أنه هناك حق وعدل أزليان .. وهناك قيم عليا في كيان الإنسان!!
وأحلام"البطولة"تشبهها أحلام"الكمال"..
إنها انبثاق ذاتي للكيان الإنساني لم يفرضها أحد من الخارج، ولا يملك أحد من الخارج أن يفرضها على كيان الإنسان!
و"الكمال"لا يتحقق أبدا في واقع الإنسان ..
ومع ذلك فدلالة هذه الأحلام قائمة رغم استحالة التحقيق ..
دلالتها قائمة فيما تنطوي عليه الفطرة البشرية من حب للارتفاع، فلولا هذه الرغبة الفطرية في الارتفاع ما وجدت أصلًا صورة الكمال في خيال البشرية، ولا سعت البشرية إلى محاولة تحقيق ما يمكن تحقيقه منها في واقع الحياة ..
هذه الرغبة في الكمال -الذي لا يتحقق أبدًا في واقع الأرض- هي الدافع الأكبر لكل حركات التاريخ وكل حضارت الإنسان ..