الصفحة 111 من 169

فالبطل .. حتى في صورته الحسية الغالبة التي قد تستهوي الطفل الصغير والبشرية للطفلة، صورة القوة الجسدية الفائقة التي لا تُغلب ولا تُهزم، وإنما تنتصر دائمًا في كل معركة .. وبأيسر الأسباب .. هذه الصورة ليست حسية بحتة حتى في هذا الوضع. فهي تضيف إلى القوة الجسدية الفائقة صفة"الشجاعة".. وهي صفة نفسية لا تلتبس بالصفة الجسدية [فقد توجد إحداهما دون أن توجد الأخرى] وإن كانت تتلبس بها وتقوم عليها. ثم هي في أغلب الأحيان تضيف إلى صفة الشجاعة"قيما"أخرى .. فالبطل ليس"شجاعا"فحسب، ولكنه كذلك"نبيل"، لا يستخدم شجاعته في سفك الدماء والسرقة والنهب .. ولكن في إغاثة الملهوف وإعانة الضعيف ودفع الظلم عن المظلوم؛ وكلها قيم"إنسانية"لأنها خاصة بعالم الإنسان لا وجود لها في عالم الحيوان.

وحقيقة إنه ليست كل أحلام البطولة كذلك. فقد يوجد فيها المجرم سفاك الدماء المعتدي الأثيم .. ويندرج في سلك البطولة في عالم الطفل أو في عالم الكبار سواء. ولكنه انحراف ككل انحراف يصيب البشرية فلا ينفي كيانها الأصيل ولا كيانها السوي .. وإنما يشير فقط إلى موضع الانحراف ..

والذي يعنينا على أي حال هو الدلالة المستمدة من أحلام البطولة السوية- وهي موجودة دائمًا في كل عصور البشرية وفي كل مراحل الفرد الإنساني .. فما دلالتها؟

إن أحدًا لا يفرض الإعجاب بها في نفس الطفل. وأحدا لا يفرض على البشرية الاستهواء لها والتوفر لإنتاجها في أدبها وأساطيرها ومختلف فنونها ..

ليست مفروضة عليها من الخارج ..

وإنما هي نابعة من أعماق الكيان البشري .. منبثقة منه انبثاقًا ذاتيًا كاملا .. بمجرد التلويح لها من بعيد.

وإذن ففي أعماق الكيان البشري"رصيد"لأحلام البطولة .. رصيد"للقيم"العليا في حياة الإنسان.

وينبغي هنا أن نفرق -مؤقتا- بين الحلم والتطبيق الواقعي ..

فلا يصح لنا أن نقول: إن هذه أحلام، لا رصيد لها من الواقع، ومن ثم فهي غير ذات دلالة في كيان الإنسان!

هذه النظرة التي قد تسمي نفسها"واقعية" [1] هي نظرة مخطئة من الوجهة النفسية، فضلا على أنها نظرة مغرضة! فحين نبحث التركيب النفسي للإنسان لا ينبغي أن نفرق بين طاقة الشعور وطاقة السلوك إلا من حيث اختلافهما في الصورة الخارجية. أي في أن إحداهما طاقة كامنة والأخرى طاقة ظاهرة. وحقيقة إننا -من ناحية أخرى- نقول إن الرصيد الشعوري الذي لا يتحول إلى سلوك واقعي هو رصيد مضيع لا قيمة له في عالم الواقع .. ولكن هذا لا ينفي أنه رصيد موجود في عالما لنفس. كل عيبه أنه لا يأخذ مجراه الطبيعي. لا يكتمل نموه. لا يأخذ طريقه إلى التنفيذ .. فيكون مستغرقًا لشِقّ من النفس دون سائرها. ومن ثم يكون اختلالا عن الصورة السوية للنفس، التي تعمل بكيانها المتكامل لا بشق واحد مبتور .. والذي نريد أن نثبته الآن -مؤقتًا- هو وجود هذا الرصيد في النفس، وأنه أصيل غير مَاتِيّ به من الخارج، وإنما نابع من الكيان الأصيل.

ثم إن هذه النظرة -الواقعية (!) - هي كما قلنا نظرة مغرضة ..

فأصحابها -سواء في علم النفس أو في عالم الفنون أو في علم الاجتماع- يحسبون على"الإنسان"نواياه السيئة وميوله الشريرة .. حتى ولو ظلت ميولا كامنة لا تأخذ سبيلها إلى التحقيق.

ففرويد يقرر -في كتاب Totem & Taboo وكتبه الأخرى- أن"الشيطان"هو انعكاس فكرة الشر في كيان الإنسان!

كذلك ... !

فما بال"المَلك"؟!

ما بال صورة الخير الخالص والنظافة الكاملة والرقة الشفيفة والانطلاق من كل حقد أو غل أو طمع أو كيد شرّير؟

(1) انظر فصل"الواقعية في التصور الإسلامي"في كتاب"منهج الفن الإسلامي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت