ويقول فوق ذلك: إن هذا التطور المادي -أو الاقتصادي- الذي يصنع القيم، ويقلّبها كيف يشاء، هو أمر خارج عن إرادة الإنسان! فالإنسان لا يستشار في وضع قيمه. لا يستشار فكره ولا روحه، ولا تستشار فطرته -اللاوجود لها! - وإنما التطور يفرض نفسه -سبحانه! - على الخلائق، فيصوغهم بجبروته، وينشئ لهم قيمهم، ثم يسلبها منهم ويبدلهم بها غيرها، على هواه هو، وبمقتضى قوانينه هو"الحتمية"، وليس للخلائق إلا أن تتلقى، وتعكس في ذواتها جبروت هذا الجبار وحتميته، فتكيف نفسها بمقتضاها، راضية خانعة ذليلة مستعبدة .. لا حول لها ولا طول!
ثم .. ثم يقول إن الطعام والكساء والجنس هي غاية غايات الإنسان، ومحور حياته، ومحور تأثراته من لدن هذا الجبار المهيمن في العلياء! أي .. في النهاية .. أنه حيوان!
وهو مع ذلك حيوان ذليل .. أذل من الحيوان الحقيقي .. فالحيوان لا يقهر على شيء ليس في"طبيعته"! ولا بد -في التعامل معه- من إطاعة كيانه والسير معه على مزاجه هو دون تعديل .. أو بأبسط التعديلات .. إذا"قبل"الحيوان! و"التطور"لا يُفرض عليه رغم أنفه. وإذا تطور بقهر"الطبيعة"فعلى آماد متطاولة تبلغ ملايين السنين! أما الإنسان .. بسبب مرونته الفذة التي أفرد بها الله .. فالتفسير المادي بسلبه كيانه الذاتي كله، وإيجابيته الفاعلة كلها، ويفرض عليها في جيل واحد أن يتطور من حال إلى حال، تطورا -كما يقول ماركس وإنجلز- خارجا عن إرادته، لا يَدَ له في وضعه، ولا قدرة له على تعديله، وليس له فيه أكثر من الطاعة العمياء!
والتفسير الجنسي للسلوك، تفوح منه"الحيوانية"نفاذة الرائحة!
إن أحدًا لم يلوث الإنسان بمقدار ما لوثه فرويد .. حين أصر على تفسير كل نشاطه بالتفسير الجنسي .. المغرق في الحيوانية ..
أسطورته الكبرى التي جعلها المحور الرئيسي لكل نظرياته .. أسطورة العشق الجنسي للأم .. أخذها -باعترافه [في كتاب Totem &Taboo] - من مثال أورده دارون من عالم البقر! ففي عالم البقر تهيج الثيران في موسم الإخصاب، فتقتل أباها الشيخ، ثم تقتتل فيما بينها على الأم، كل يريد أن يفوز بها لنفسه، فتموت الثيران الضعيفة أو تخور قواها مما تنزف من الدم. ويبقى الثور الأقوى، يفوز وحده بالأم، ويلبي معها داعي الجنس! وفرويد .. في بساطة .. بلا تحرج ولا تأثم .. ولا تأنيب ضمير .. ينقل هذه الظاهرة الحيوانية إلى عالم الإنسان .. وينسبها إلى البشرية الأولى، كأنما قد شهد مولدها وعاين تحركاتها، وسجل ما جرى لها من الأحداث! .. ويغفل .. في بساطة .. بلا تحرج ولا تأثم ولا تأنيب ضمير .. أن بعض الحيوانات ذاتها يأبى الولد منها أن يطأ أمه ولو دفع إلى ذلك دفعا وعوقب على الامتناع بالضرب الأليم!
ذلك .. لأنه"عالم"كبير!!
ثم لا يكتفي بأن تكون تلك اللوثة المجنونة قد أصابت البشرية الأولى مرة .. بل يصر على تلويث الأجيال البشرية كلها، فيزعم -على هدى الأسطورة ذاتها التي لا دليل عليها! - أن كل ولد ذكر في التاريخ يعشق أمه بعشق الجنس، وكل بنت تعشق أباها بنفس العشق!
ثم لا يكتفي بهذا القدر .. فما تزال في نفسه بقية من شهوة التلويث .. فيفسر السلوك كله .. كله .. بتلك اللوثة المجنونة. فإذا الطعام جنس والشراب جنس والنوم جنس والصحو جنس. والتبول والتبرز جنس. والرضاعة جنس. ومص الإبهام جنس. والنشاط الفكري والنفسي كله نابع من هذه الفوهة المجنونة الثائرة كالبرهان!
أما"القيم".. فهي الكبت لذلك الجنس! هي الوقوف في طريق"النمو الحر للطاقة الجنسية"! هي المتسمة"بطابع القسوة حتى في صورتها الطبيعية العادية"! هي التي ينشأ عنها القلق والاضطراب والعقد النفسية والانحراف والشذوذ!!