الصفحة 160 من 169

والإنسان بذلك كله حيوان .. ولكنه في وضع أسوأ من الحيوان الحقيقي .. فهذا الأخير يصرف طاقته في نشاط"سوي"بالقياس إليه .. فلا يصاب بالعقد والاضطراب النفسي والعصبي .. ولا يشكو الاختلالات في كيانه. أما الإنسان .. بما وهبه الله من قدرة على الرفعة، ففرويد يسلبه كيانه الرفيع كله، بل يقول صراحة وضمنًا، إن الإنسان كان يمكن أن يكون أفضل من ذلك وأحسن لو كان طاقة حيوانية"حرة"لا يقف في سبيل نموها قيم ولا"كبت".. فكأن الإنسان في الواقع لا يطول حتى مقام الحيوان!

والتفسير الجثماني للمشاعر تفسير"علمي"معملي" (!) يريد أن يفسر الإنسان على قاعدته الجسمية وحدها، على أساس أن"النفس"بمشاعرها وانفعالاتها وأفكارها مجرد انبثاق جسمي .. ينبع من الجسد ويحكمه الجسد."

فهذه الغدة تصنع الدافع الجنسي. فيقوى أو يضعف. ويكون الإنسان واضح الذكورة أو الأنوثة أو مختلط الصفات.

وتلك الغدة تصنع الأمومة. فتقوى أو تضعف. أو تموت.

وإفراز الغدة الكظرية [الأدرينالين] يصنع الشجاعة [أو الجبن!] .

وإفراز الغدة الدرقية الزائد يصنع المزاج العصبي. والناقص يصنع البلادة.

وهكذا يفسر الإنسان كله من داخل جسده .. ويفسر -في الحقيقة- على أساس حيواني! فالحيوان هو الذي يحكمه جسده بإفرازاته، وطبيعاته وكيماوياته وكهربياته، فلا يحيد يمنة أو يسرة عن حكم هذه الإفرازات، لأنه لا توجد في كيانه قوة أخرى غيرها تحكم تصرفاته .. ! فهم إذن يريدون تفسير الإنسان في نطاق"حيوانيته"وحدها، ويحذفون حذفًا"علميًا!"كل ما يخرج عن ذلك النطاق.

وإذ كانت القيم العليا من ضير وعقيدة وإيمان بالحق والعدل والجمال والكمال .. لا تدخل المعمل، أو لم يكتشف المعمل حتى اليوم موطنها الجثماني أو الغُدّي .. فلا بأس بإغفالها إغفالا كاملا ليظل الإنسان في داخل النطاق المطلوب صبه فيه، وهو نطاق الحيوان!

والمذاهب"الواقعية"في الأدب والفنون توجه همها إلى رسم الإنسان في صورته الدنيا .. صورته الهابطة إلى عالم الضرورة والقيد .. بحجة أن هذا هو"الواقع".

وتختلف هذه المذاهب، ثم تلتقي في نقطة الالتقاء، التي تجمع ما بين المذاهب الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المعاصرة، وهي حيوانية الإنسان وماديته.

الأدب"الاجتماعي"يرسم الإنسان محكومًا بالحتميات الاقتصادية والاجتماعية، يولد فيها، ويصطرع معها فينهزم -في كل مرة- أو يسايرها فتطبعه بطابعها الحتمي .. فإذا تشبث بالقيم العليا تحطم [وإلى هنا لا ضير!] ولكنه يتحطم وهو موضع السخرية والزراية لأنه يتشبث بشيء غير ذي وجود!

ثم هو في صراعه مع القوى الاجتماعية والاقتصادية التي تحطمه أو يسير معها، يصارع بجسده .. أو بضروراته .. بالطعام والمسكن والجنس. هذا إذا أراد أن يتحطم تحطمًا شريفًا! أما إذا أراد أن يكون موضع السخرية والهزء والزراية .. فليصارع بالعقيدة، أو بالضمير، أو بالحق والعدل الأزليين، أو بحاسة الجمال أو حاسة الكمال! فعندئذ ينال ما ينال من تحطم واستخفاف!

والأدب الجنسي يصور الحياة كلها كأنها لحظة جنس مسعور .. فلا شيء في الحياة غير الجنس. الخطوط كلها تتفرع لتلتقي عنده، والعقد كلها تنمو لتنعقد فيه .. ولا يتحقق كيان الإنسان إلا في لحظة الجنس الفاجرة التي يلبي فيها جسد صراخ جسد آخر .. وينتهيان في لذة الجسد الحيوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت