والصراع في الأدب الجنسي هو صراع الأجساد .. الفتاة تقول لنفسها: هل أمنح جسدي لهذا الولد أم لذاك؟ أيهما أكثر استحقاقا لأن أحقق كياني معه في لحظة جنس طاغية؟ والولد يقول لنفسه: إنني أريد هذا الجسد المثير، ولا بد أن أناله. لا بد أن"أجاهد"بشتى الطرق للوصول إليه، لأحقق وجودي في لحظة معه .. لا بد أن أحطم جميع العقبات.
وفي عالم الأدب الجنسي تحدث"المأساة"الدرامية .. تحدث حين تقف"قيمة"من القيم في وجه لحظة الجنس المسعورة، التي يحقق فيها كيانهما الولد والبنت .. وعندئذ تكون"القيمة"هي الغلطانة .. والولد والبنت على صواب!
والمذهب"الطبيعي"لون من الأدب الواقعي أشد"واقعية".. أي أشد حيوانية ..
إنه يرسم الإنسان -فيما يرى- على"طبيعته".. أي سافلا دنيئًا مخاتلا مخادعا نهازًا للفرص منافقًا وصوليًا لا يعبأ بالقيم، بل يدوسها تحت قدميه في تلذذ، ويعلن -حين ينتهي من خنقها- لحظة الانتصار!
وفي هذا المذهب يقوم الصراع .. صراع بين سفالة وسفالة .. ومخاتلة ومخاتلة .. ويغلب الأقوى بطبيعة الحال .. أي الأشد سفالة وأشد حيوانية [وإلى هنا لا ضير] ولكنه يغلب عن جدارة تستحق الإعجاب!
وقد يحدث الصراع بين القيم وبين"طبيعة"الإنسان .. لتنهزم القيم بالطبع، وتنتصر الطبيعة السافلة الدنيئة المنحطة .. طبيعة الحيوان. وتنهزم القيم بعد أن تفقد احترامها، وتصبح من ناحية أضحوكة، ومن ناحية أخرى معطلة للحياة.
وفي هذا المذهب كذلك تحدث المأساة .. حين يتحطم شخص سافل جدًا لدرجة أنه كان ينبغي أن ينجح وينتصر ويتمكن .. يتحطم لأن الحظ خانه .. أو لأن منافقًا من الذين يتظاهرون بالإيمان بالقيم قد وقف له في الطريق. ولا بد أن يكون منافقًا لأنه لا يوجد مؤمنون حقيقيون بالقيم .. لأن القيم ذاتها كلها نفاق! وفي تلك اللحظة يكون السافل الأكبر موضع العطف، ويكون المنافق موضع السخط والسخرية .. لا لأنه منافق والنفاق عيب، ولكن لأنه ليس صريحًا في مواجهة الناس بما يشتمل عليه اشتمالا"طبيعيًا"من السفالة والدناءات [1] !
وهكذا تلتقي هذه الآداب"الواقعية"كلها عند نقطة مركزية واحدة .. هي حيوانية الإنسان.
هذه المذاهب كلها في الاجتماع وعلم النفس والأدب والفن .. تعجز جميعها عن تفسير"حقيقة"الإنسان ..
التفسير المادي للتاريخ، حين يقول إن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام، يغفل عن الحقيقة"الإنسانية"الأصيلة، وهي أن الإنسان حين يبحث عن الطعام يبحث عنه"كإنسان".. يبحث عنه بكيانه المجتمع كله، الذي يشمل فيما يشمل الأهداف والقيم، والإحساس بالجمال والرغبة في الكمال .. فيظل"يحسّن"طعامه، ويحسن وسائل الحصول عليه، وفي الطريق ينشئ نظمًا وحضارات وتشريعات وقوانين ومذاهب وأفكارًا ونظريات .. أي أنه يواجه الحياة كإنسان، ويتأثر بها ويؤثر فيها كإنسان. وتلك هي الحقيقة المركزية التي ينبغي التوكيد عليها، لا حقيقة البحث عن الطعام، التي لا يختص الإنسان بها، بل يشترك فيها مع الحيوان.
(1) انظر بالتفصيل كتاب"منهج الفن الإسلامي"فصل"الواقعية في التصور الإسلامي".