الصفحة 162 من 169

وحين يقول إن تغير وسائل الإنتاج هو الذي يغير حياة الناس من طور إلى طور، وهو الذي ينشئ لهم أفكارهم وعقائدهم، يعجز عن أن يفسر لنا: كيف ظهر الإسلام، وهو أضخم حركة ثورية في التاريخ .. الحركة التي أخرجت الناس من ظلمات الجهل والخراقة والعبودية للقيم الأرضية والقوى الأرضية والناس، إلى نور المعرفة ويقين الحق والتحرر من كل عبودية في الأرض لقيمة أو قوة أو بشر، بالعبودية لله وحده، واستمداد القوة الإيجابية من هذه العبودية الصحيحة لله المعبود، الحقق وحده بالعبادة، والسيطرة بهذه القوة على كل نظم الأرض الزائفة، اجتماعية كانت أو اقتصادية أو فكرية أو سياسية .. الحركة التي أبدعت في عالم السياسة فكرة وحدة الدولة وكانت -في غير الإسلام- إقطاعيات متفرقة يقوم الإقطاعي فيها بالسلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية .. واستعباد الناس. وفكرة مسئولية الحاكم أمام الأمة عن تنفيذ الدستور، الدستور الإلهي الذي يمثل الحق والعدل، وإلا سقط حقه في السمع والطاعة وحق الناس أن يخرجوا عليه. وفكرة مسئولية الدولة عن كل فرد فيها بإيجاد عمل له أو إعالته من بيت المال. وأبدعت في عالم الاجتماع فكرة التكافل في المجتمع. كله مسئول عن بعض، وكله متكافل في حمل المغانم والمغارم سواء. وأبدعت في عالم العلم المذهب التجريبي الذي تقوم عليه حضارة الغرب كله في العصر الحديث ..

كيف قامت هذه الحركة؟ وكيف امتدت في الزمان والمكان، وانتشرت إيحاءتها في كل البشرية، حتى التي لم تعتنق الإسلام، بل حتى تلك التي عادت الإسلام؟

أين هو التغير الذي حدث في أدوات الإنتاج أو أسلوب الإنتاج لتكون من نتيجته"الحتمية"بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بالدين الجديد؟!

وحين ينفي وجود"فطرة"للإنسان سابقة على النظم والقواعد، ثابتة على مدار الأجيال، ملزِمة للتطور لا ملزّمة به، يعجز عن تفسير ارتداد الشيوعية في روسيا عن فكرة الأجر الموحد، وإباحة التفاوت في الأجور في الطبقة الواحدة، وارتدادها عن محاربة فطرة الاقتناء والتملك، بإباحة إنفاق الأجر الإضافي في اقتناء بعض الأشياء.

وحين ينفي أن"القيم"شيء له وزنه وحسابه؛ شيء ينبغي توجيه الطاقة -إليه لتنميته في النفوس وتقويم مساره، بصرف النظر عن النظام الاقتصادي وعدالته؛ ويصر على أن القيم مجرد انعكاس للتطور الاقتصادي .. يعجز عن تفسير صرخة خروشوف الخطيرة في عام 1962 حين قال إن الشباب الروسي مائع متحلل غارق في الشهوات، ينبغي تقويمه وإلا فمستقبل روسيا مهدد بالضياع! مع أن اقتصادياتها تسير حسب"المذهب"المرسوم!

وفي الجملة يعجز عن تفسير الإنسان .. لأنه يصر على تفسيره في نطاق الحيوان!

والتفسير الجنسي للسلوك تفسير واضح البطلان.

ففضلا عن أساطير فرويد التي أقام عليها بلا دليل كل بناء البشرية .. فهذا التفسير يعجز عن بيان أي سبب لتقدم البشرية وتعقد أساليب حياتها واشتباكاتها المختلفة. فالعشق الجنسي واحد. وعقدة أوديب [وإليكترا] واحدة. والكبت واحد. ونتائج الكبت واحدة. فلماذا"تتطور"البشرية وتتغير؟ لماذا تقوم النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية؟ لماذا تنشأ الحضارات وتزدهر ثم تنهار؟ لماذا تحدث كل حركات التاريخ؟ والدين كله كبت .. فلماذا تتعدد أنواع الكبت، أي لماذا تتعدد مذاهب الدين؟! والفن كله كبت .. فلماذا يختلف فن عن فن وفنان عن فنان؟ وليوناردو دافنشي الذي شرح هو فنه شرحًا جنسيًا كبتيًا عقديًا .. لماذا لم يكن موسيقيًا بدل أن يكون رسامًا؟ بل .. لماذا لا يصبح كل من تصيبهم هذه العقد دافنشيين مثل دافنشي؟ وما التفسير الجنسي للعبقرية ذاتها، فضلا عن توجهها هذه الوجهة أو تلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت