وفي الجملة يعجز عن تفسير الإنسان .. لأنه يصر على تفسيره في نطاق الحيوان، وفي جانب واحد من جوانب الحيوان!
والتفسير الجثماني للمشاعر يعجز عن تفسير الجانب"الإنساني"كله من الإنسان.
الجنس ينبع من الغدد الجنسية. نعم، ولا شك. وكذلك هو في الحيوان. فلماذا يمارس الإنسان نشاطه الجنسي على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان؟ لماذا ينشئ له عواطف؟ وأهدافًا"وقيما؟ ونظما؟ ومذاهب؟"
لماذا"يتزوج"الإنسان ويقيم للزواج مراسم ومواثيق؟ وأين مكان ذلك في غدة الجنس؟
ولماذا ينشئ حول الجنس فنونا .. نظيفة أو ملوثة، رفيعة أو هابطة؟
ولماذا يختلف اثنان دفعتهما الجنسية واحدة، فينطلق هذا كالبهيمة، ويتعفف الآخر كالإنسان؟!
والأمومة تنبع من غدة الأمومة ..
وهي كذلك في الحيوان.
فلماذا تختلف أمومة الإنسان عن أمومة الحيوان؟ لماذا تتعهد الأم الإنسانة بأكثر من"التربية الحسية": الإرضاع والحضانة والحنوّ .. لماذا تربي طفلها على قيم معينة وأخلاق معينة؟ ثم لماذا تختلف قيم هذه الأم وأخلاقها عن قيم الأم الأخرى، بينما لا تختلف أم عن أم في النوع الواحد من أنواع الحيوان؟! وأين مكان هذا كله في غدة الأمومة التي يراد بها تفسير الإنسان؟
وإفراز الغدة الكظرية يصنع الشجاعة [أو الجبن] !
كذلك .. ؟!
فما الذي يفسر دور التربية في حياة الإنسان، وتنشئتها قومها على الشجاعة وقوما على المذلة والهوان؟ بل ما تفسير أن الشخص الواحد الشجاع بالفطرة يدرب على الجبن والمذلة فيذل، والشخص الجبان يدرب على الشجاعة فيتشجع؟ وما مكان هذا كله في إفراز الغدرة الكظرية أو في كل جسم الإنسان؟!
وإفراد الغدة الدرقية يحدث المزاج العصبي أو البلادة الهادئة ..
نعم ..
فما بال هذا الشخص يستسلم لمزاجه العصبي والآخر يكظمه ويدرب نفسه على الهدوء؟ وما مكان ذلك في إفراز الغدة التي تصنع المزاج؟
بل الطعام ذاته .. جوع المعدة هو الدافع لشهوة الطعام .. فأين مكان الشوكة والسكين والملعقة في شهوة المعدة، وأين مكان مفارش المائدة وأناقة الحفلات؟!!
إن التفسير الجثماني للمشاعر تفسير ساذج جدًا على كل عمليته ومعمليته! وهو أكثر المذاهب العلمية عجزا عن تفسير الإنسان!
أما الأدب فله موضع آخر [1] ..
ولكن يعنينا هنا فقط أن نبين كيف تخفق هذه المذاهب"الواقعية"في تفسير الإنسان ..
إنها كلها لا تبين -إذا كانت القيم العليا بهذا الهوان وهذه الضآلة وهذه التفاهة -لماذا تتشبث بها البشرية كل هذا التشبث؟ ولماذا تصر -حتى وهي تخفق في تحقيقها المرة بعد المرة- على أن تحاول من جديد تحقيقها والارتفاع إليه؟! بل .. لماذا"تنافق"بهذه القيم؟ إن هذا النفاق -رغم سوئه- أدل على هذا التشبث! فالبشرية قد لا تقدر على الارتفاع، ومع ذلك تحب أن تظهر وكأنما ارتفعت بالفعل! ألا يدل ذلك على شيء؟ ألا يدل على أن هذه الرغبة في الارتفاع رغبة فطرية في"الإنسان"؟! رغبة يتميز بها على الحيوان؟
ثم .. هل هي حقيقة أن البشرية لا تنجح أبدا في تحقيق القيم العليا؟ وهذه النماذج العالية من البشرية، هل كلها خرافة؟ من يقول إن هذا هو"الواقع"الذي ينبغي أن تدور حوله الفنون؟!
كلا! إن"الواقعية"التي تصر على تفسير الإنسان في نطاق الحيوان، تعجز عن تفسير الواقع الإنساني الأكبر، ثم تغفل بالتدريج عالمه الأكبر، لتحصره في الطعام والشراب والجنس، وعالم القيد والضرورة، حتى ليصبح في النهاية كائنا مشوها ممسوخا، غريبا على عالم الإنسان! [2]
هل معنى ذلك أن هذه المذاهب كلها خواء من العقيدة؟
(1) انظر كتاب"منهج الفن الإسلامي".
(2) انظر كتاب"منهج الفن الإسلامي"