الصفحة 164 من 169

كلا! ففيها ولا شك جانب من الحق هو الذي جعلها"تعيش"رغم كل ما فيها من انحرافات واختلالات.

ولكنه حق جزئي لا يفسر كل الإنسان.

وعيبها الرئيسي أنها تصر كلها على تفسير الإنسان من جانب الحيوان.

ولا بد من تفسير"إنساني"للإنسان!

فكل التفسيرات"الحيوانية"قد عجزت عن تفسيره. عجزت عن الإحاطة به كله، ورسمه على حقيقته. وبدت كالخرق المهلهلة لا تستر كيانه!

لا بد من تفسير يشمل الإنسان كله ولا يغفل جانبا من جوانبه. ويفسره في حالات رفعته وحالات هبوطه، ولكن على قاعدته الإنسانية المتميزة، التي يختلف فيها عن الحيوان، حتى وهو يقضي ضرورة الحيوان.

وقد مر بنا من كلام جوليان هكسلي ما يثبت تفرد الإنسان حتى في كيانه البيولوجي الذي خدع دارون من قبل، وظنه مشابها تمام المشابهة لكيان الحيوان. وذلك فضلا عن الخصائص العقلية والمعنوية التي اختصه الله بها وحده، وأدار حياته كلها عليها. وفضلا عما يقرر جوليان هسكلي من حقيقة جوهرية هامة هي تفرد الإنسان في طريقة تطوره ذاتها، فلا يتطور على القاعدة الحيوانية، وإنما يتطور على قاعدة"الإنسان"!

وجوليان هكسلي -كما مر بنا- رجل ملحد لا يبدي أي توقير للمفاهيم الدينية أو المقدسات الروحية.

فإذا قال ذلك فما يدفعه إلا الحقائق العلمية وحدها، دون انفعال سابق، ولا وجدان ديني يؤثر في تفكيره، فيجعله يرفع الإنسان ويكرمه عن الارتكاس في عالم الحيوان.

وهو -بعد- لا يؤمن بالإنسان كله، فما زال مقيدا في أغلال من رواسب الجيلين السابقين، تأخذ العزة بالإثم أن يعترف بالله، أو باستمداد الجانب الروحي في الإنسان من قوة الله حين يهتدي إليه، ويعرف طريقه إلى الوجود الأكبر السائر على ناموس الله.

ولسنا نستشهد به لنقف عند أو نسير في حدوده .. ولكنا نقول فقط إن الحق قد بدأ يتجلى حتى للمنكرين المتشبثين بالإنكار ..

والتفسير الإنساني للإنسان لن يرسم له صورة مزورة مزوقة خداعة! فالعلم الصحيح لا ينبغي أن يزوّر بالزيادة أو النقصان.

بل يرسم له صورة حقيقية دقيقة، تشمل الأبيض والأسود. تشمل عوامل الرفعة وعوامل الهبوط.

لن يرسمه مَلَكًا منزها عن الأخطاء. فليست هذه حقيقة. ولا حيوانا محكوما بضروراته. فليست هذه حقيقة كذلك.

إنما الحقيقة شيء بين هذا وذاك.

الحقيقة تشمل جانبا من التفسير المادي للتاريخ، والتفسير الجنسي للسلوك، والتفسير الجثماني للمشاعر، والواقعية التي ترسمها الفنون والآداب المعاصرة .. ثم تضيف إلى ذلك كله جوانب أخرى، حقيقية الوجود حقيقية التأثير في الحياة.

الدوافع الفطرية من طعام وشراب وملبس ومسكن، وجنس وقتال وتملك وبروز .. كلها حقيقة. فلتأخذ مكانها في الصورة بمساحتها الحقيقية، لا ينقص منها ولا يزاد.

والقدرة الفطرية على الضبط حقيقة كذلك. فلتأخذ مكانها في الصورة بمساحتها الحقيقية، لا ينقص منها ولا يزاد.

والمساحة الحقيقية للدوافع الفطرية أنها قوية ملحة. وأنها غير قابلة للقمع من منبتها، ولا خير للإنسان في ذلك القمع. وأنها صعبة الضبط، ما لم تُعَوَّد ذلك من طفولتها. وأنها -مع ضبطها وتعويدها على الضبط- تفلت بين الحين والحين، فيقع الخطأ أو الخطيئة .. ثم يتوب الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت