الصفحة 165 من 169

والمساحة الحقيقية للضوابط الفطرية أنها -مع كونها فطرية- تحتاج إلى معونة خارجية لتنيمتها وتقويتها، كالقدرة على المشي والقدرة على الكلام. وأنها ما لم تتلق هذه المعونة الخارجية -بالتربية- تنشأ ضعيفة مهزولة ممسوخة، لا تقوى على ضبط الدوافع الفطرية القوية العنيفة الملحة. وأنها -عند تنميتها وتقويتها- تقوم بدور حاسم في حياة البشرية. تقوم برفع مستوى الطاقة المحركة كلها من أساسها، وحجز جانب منها لتحويله إلى إنتاج مادي وفكري وروحي، وإن كانت تعجز أحيانا عن الضبط، فيقع الخطأ أو الخطيئة .. ثم يتوب الإنسان.

تلك هي الحقيقة الواقعية للإنسان السوي.

ثم تقع الانحرافات .. انحرافات من كل لون وفي جميع الاتجاهات ..

ولكنها انحرافات .. فلا يأتي يوم تصبح فيه هي الحقيقة البشرية، ويصبح السواء هو الشذوذ!

وكما تصيب الأمراض الجسم وتشفى، فكذلك انحرافات النفس تشفى بالعلاج. وتلك حقيقة إنسانية هامة، ترفع عنها لعنة الانحراف الدائم والشذوذ المقيم!

ونعود إلى حقائق النفس البشرية:

دفعة الجسم القاهرة حقيقة. فيجب أن تأخذ مكانها الحقيقي في الصورة.

وإشراقة الروح المرفرفة حقيقة كذلك. فيجب أن تأخذ مكانها الحقيقي في الصورة.

والمكان الحقيقي لدفعة الجسم أنها هي التي تمد الإنسان بالطاقة الحية التي تعمل في واقع الأرض، وتمده بالرغبات التي تحرك مشاعره في شتى الاتجاهات.

والمكان الحقيقي لإشراقة الروح أنها هي التي تمد الإنسان -فطريا- بعقائده وقيمه العليا، التي توجّه الدوافع في أثناء اندفاعها، فتمنعها أو تحاول أن تمنعها -من الشطط والإسراف.

وهذه المحاولة الدائمة هي رسالة البشرية. وهي رسالة حقيقية يشهد بها كل التقدم الذي أحرزته البشرية في نظمها وعقائدها وعلاقاتها. ولا ينقص منها شيئا أن ترتد البشرية عنها أحيانا وتنتكس. فذلك جانب من الاحتمالات الطبيعية البشرية. ولكنه ليس الاحتمال الدائم ولا الاحتمال الوحيد.

ثم .. حقيقة أخرى في كيان الإنسان: هي تعدد جوانبه. ومن هذا التعدد تنشأ حقيقتان:

إحدى الحقيقتين أنه لا يحدث في أية لحظة من اللحظات أن ينحصر كيان الإنسان في جانب واحد: الجانب الجسدي أو الروحي أو الفكري .. أو الاقتصادي أو المادي .. وإنما هو دائما شامل لأكثر من جانب. شامل لكيانه كله في الحقيقة.

والحقيقة الثانية أن الإنسان لا يمارس أي نشاط من نشاطاته بجانب واحد من جوانبه ولو كان نشاطا متخصصا إلى أقصى حد .. فلا يقوم بنشاطه الجنسي بدافع الجنس وحده، وإنما بمجموع كيانه، ولا يقوم بنشاطه الاقتصادي أو الاجتماعي أو الفكري أو السياسي بمعزل عن بقية الكيان. ومن ثم تمتزج منه الروح بالجسد، والقيم العليا بالضرورة القاهرة .. ويخرج من ذلك كيان ممتزج هو الإنسان ..

والتاريخ الإنساني هو مصداق هذه الحقائق ..

هو مصداق عمل الدوافع والضوابط معًا في حياة الإنسان. ومصداق عمل الجسم والروح معًا. ومصداق تعدد الجوانب وشمول الكيان ..

ثم مصداق الانحرافات الدائمة، والاستعداد الدائم للشفاء من الانحرافات ..

وهذا الجيل من البشرية من أشد أجيالها انحرافا، وأشدها عتوًا في الانحراف .. ولكنه ليس الوضع الدائم البشرية، ولا وضعها الأخير .. إلا إذا كانت إرادة الخالق سبحانه قد اقتضت تدمير البشرية والقضاء عليها.

وهذا الجيل من البشرية، متأثرًا بواقعه الضيق، قد سجل انحرافاته على أنها هي الحقيقة البشرية الدائمة في جميع الأجيال، وسمّى ما يخالفها شذوذاَ يخالف الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت