الصفحة 146 من 169

المذاهب البوذية والهندوكية وما شابهها، التي ترى أن"الخير"هو سحق الجسد أو كبته وحرمانه، بحجة تطهيره، وأن القيم الروحية وحدها هي الحقيقة الجديرة بالاتباع .. تنسى كلها أنه لا وجود في كيان الإنسان للروح الخالصة الصافية التي يتخيلونا؛ وأن كل حركات التجويع والإنهاك والتحكم في الجسم -على كل ما تأتي به من"معجزات"روحية، كأولئك الذين يدخلون النار فلا يحترقون، أو يظلون بلا طعام شهورا ولا يموتون، أو يسيطرون بقوتهم الروحية على قوانين المادة- كل ذلك لا ينشئ مذهبا اجتماعيا، ولا يصلح للتطبيق في الحياة البشرية"على الاتساع". ومن ثم فكل ما تحمله تلك المذاهب من"القيم"لا يعيش في عالم الواقع، وليس له رصيد من الحق يعطيه قيمة في الحياة.

والمذهب الحق هو الذي يتمشى مع الفطرة الحقيقية للإنسان، ويعيش كذلك في واقع الإنسان.

فطرة الإنسان جسم وروح مترابطان ممتزجان. ومن ثم فكل مذهب يريد أن يتمشى مع الفطرة ينبغي أن يكون شاملا لهذين العنصرين، وشاملا لهما في حالة ارتباط وامتزاج.

ولكن ..

من الذي يحكم هذا المزاج المترابط من قبضة الطين ونفخة الروح؟

تحكمه قبضة الطين؟ أم تحكمه نفخة الروح؟

هذه هي المسألة التي تحدد"القيم"كلها في حياة الإنسان.

إنها ليست -بادئ ذي بدء- مسألة الفصل بين الجسم والروح ..

إن الله قد خلق الإنسان على هذه الصورة، لأنه -سبحانه- يريده على هذه الصورة! وجعل الخير كل الخير بالنسبة للوجود الإنساني أن يعمل الإنسان بكيانه المجتمع المترابط، لا بأي من عنصريه دون الآخر، ولا بالعنصرين منفصلين كل يسير في اتجاه.

إنما هي فقط مسألة من يحكم هذا المزاج المترابط المكون من الطين والروح ..

وهنا ترجع المسألة إلى"النشأة التاريخية"للإنسان .. كيف صار إنسانًا، ومتى صار ..

"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ".

هذه أولا قبضة الطين تُسوّى جسدا. ثم تنفخ فيه الروح العلوية. وهنا .. هنا فقط يلتزم الملائكة بالسجود -خضوعا لأمر الله- ولم يأمرهم بالسجود للجسد المسوّى على هيئة الإنسان .. وإنما بعد نفخة الروح العلوية فيه ..

"فالقيمة"إذن في كيان الإنسان لم تنشأ من قبضة الطين. لم تنشأ من الوجود الجسدي ..

وإنما نشأت القيمة حين تلبست نفخة الروح بقبضة الطين فغيّرت طبيعتها، فشفّت بالمعرفة والإدراك والإرادة والاختيار .. ولم يعد فيها ما كان فيها من قبل من صفاقة وعتامة وانطماس.

تلك هي النشأة التاريخية ..

أي أن الإنسان يكون على فطرته الحقة -وهو مزاج مترابط من الجسد والروح- حين تمنحه الروح المعرفة والإدراك والإرادة والاختيار .. أي حين تحكمه الروح.

ولا يكون على فطرته السوية -وهو مزاج مترابط من الجسد والروح- حين يكون الجسد هو الحاكم، فيطمس إشعاعة الروح وشفافيتها، ويحجب المعرفة والإدراك والإرادة والاختيار.

هو في كلتا حالتيه مزاج مجتمع مترابط .. غير منفصل الأجزاء [ولا يحدث هذا الانفصال أبدا إلا إذا حدث اختلال في كيان الإنسان] ولكن هذا المزاج يكون محكوما بالجسد تارة، وتارة يكون محكوما بالروح.

ونعبر عن ذلك بقولنا إنه يكون شريرا تارة وخيّرا تارة.

شريرا حين يحكم الجسد مزاجه المجتمع المترابط، وخيّرا حين تحكم الروح هذا المزاج.

وليس هذا حكما تعسفيا مفروضا على الإنسان من خارج كيانه. وإنما هو الحكم الذي يتمشى مع حقيقة الفطرة، ومع النشأة التاريخية للإنسان.

والخير والشر بذلك يصبحان ذَوَيْ مفهومين واضحين محددين لا يلتبسان ولا يحار فيهما الإنسان.

حين يحكم الجسد هذا المزاج المجتمع المترابط فما الذي يحدث؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت