الصفحة 147 من 169

إنه لا يلغي وجود الروح. ولكنه يطمس عليها بعتامة الطين، فتختنق وتُكْبتُ إشعاعاتها التي تمنح الطين خفة وشفافية وانطلاقًا.

الجسد يريد يأكل ويشرب و"يستمتع"..

وليس هذا"حراما"في ذاته. ولكنه، حين يصير الجسد هو المسيطر، ينقلب إلى"فاحشة"لأنه يزيد على القدر السليم المعقول الذي لا يعطب الكيان ولا يفسد"الجمال"الواجب في حياة الإنسان.

فما دام الجسد هو المسيطر، فسوف يسعى إلى الطعام إسرافا، وبغير تَوَخّ للنظافة والطهارة في اكتسابه، وبغير تحرز من ظلم الآخرين في سبيل الحصول عليه .. فينشأ عن ذلك الشر.

وما دام الجسد هو المسيطر فسوف يسعى إلى الجنس إسرافا وبغير تَوَخّ للنظافة والطهارة في الحصول عليه، وبغير تحرز من الاعتداء على أعراض الآخرن خلسة أو جهارا. فينشأ عن ذلك الشر [1] .

وما دام الجسد -بنوازعه- هو المسيطر فسوف يسعى إلى السلطان إسرافا ليحقق لنفسه المتاع، وليضمن لنفسه الفائدة، دون توقٍ لظلم الآخرين وسحقهم إذا وقفوا في الطريق .. فينشأ عن ذلك الشر.

وصحيح أن شهوة السلطان تبدو أحيانًا شهوة"نفسية"لا صلة لها"بالجسد"إذ تستولي على أفراد لا همّ لهم في الطعام والشراب أو الجنس، أو المتاع الجسدي على وجه العموم .. كما يحدث في الطغاة"المتقشفين"من أمثال هتلر وستالين .. وأن هذه الشهوة هي تضخيم"للإرادة"في كيان فرد يختل، أي تضخيم لسمة هي أصلا من سمات الروح.

ولكن هذا الذي يبدو في الظاهر ليس صحيحا في الحقيقة، فعلى الرغم من أن الإنسان يعمل دائمًا -حتى في حالات اختلاله- بمزاجه المجتمع من الجسم والروح، إلا أن"السيطرة"على هذا النحو غريزة حيوانية، يمارسها الحيوان بكاملها، ويمارسها الإنسان المختل على صورة قريبة من الحيوان. و"الإرادة"التي تكوّن الطغيان هي إرادة النوازع المرتبطة بالكيان الحيواني وليست إرادة النوازع المرتبطة بكيان الروح. والحيوان يحب أن يسيطر بأن يقتل الآخرين أو يسلبهم غذاءهم أو أرضهم أو أمنهم وراحتهم .. ومن ثم تصبح السيطرة الطغيانية عملية حيوانية في أساسها، تجرجر الروح في ركابها، مقهورة مسلوبة مطموسة الإشعاع. ويستوي أن يكون الطغيان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا .. فرديا أو جماعيا .. فهو أصل واحد متعدد الأشكال.

وفي كل ذلك ينشأ الشر .. وينشأ من خضوع الكيان المجتمع المترابط لسيطرة الجسد .. ويكون شرا في جميع الأوضاع والبيئات، وجميع الأجيال و"الأطوار".. لأنه اختلال في ميزان"الإنسان".

أما حين تحكم الروح هذا الكيان المجتمع المترابط فإنه يحدث شيء آخر.

إن هذا أولا يكون الوضع"الطبيعي"للإنسان، الذي يتمشى مع نشأته التاريخية، ويحققها في كمالها.

(1) الجدل كله حول القيم الأخلاقية كامن في هذه النقطة. إذ يرى التطوريون والتقدميون أنه لا شر في الانطلاق الجنسي ولو وصل إلى آخر الحدود! والمسألة -فيما أرى- لم تعد في حاجة إلى جدل! فالأمم التي أباحت هذا الانطلاق الجنسي هي ذاتها التي بدأت تصرخ اليوم محذرة من نتائجه الخطيرة. وفي سنة واحدة [1962] صدر تصريحان خطيران أحدهما من خروشوف زعيم روسيا الشيوعية يقول إن الشباب الروسي مائع منحل متفكك غارق في الانحراف، وأنه لا يؤتمن -بذلك- على مستقبل روسيا! والآخر من كنيدي حاكم الولايات المتحدة يقول فيه إن الشباب الأمريكي شباب تافه تأكله المتع الجسدية الزائدة عن الحد وتفسد أخلاقه وتشيه فيه الطراوة والنعومة والشذوذ، فهو بذلك يشكل خطرا على مستقبل أمريكا! وكلا التصريحين ذو دلالة خطيرة في شأن"الحرية"الجنسية التي يراها هذا الجيل من البشرية خيرا، وتصرخ الوقائع بأنها شر لا خير فيه! [انظر بالتفصيل كتاب"التطور والثبات في حياة البشرية"] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت