الصفحة 95 من 169

والإنسان داخل في ناموس الكون الأكبر لا يتخطاه ..

غير أن الناموس -بالنسبة للإنسان- قد أعطاه كيانًا متفردًا في أمرين عظيمين، يتميز بهما عن غيره من الخلق:

الأمر الأول: أنه بالنفخة الإلهية التي تشتمل عليها روحه قد صار"مدركا"لنفسه وما حوله.

والأمر الثاني: أنه بهذه النفخة ذاتها قد صار"مريدًا"لما يقوم به من أعمال وتصرفات.

وهذان العنصران: الإدراك والإرادة، المستمدان من النفخة العلوية، هما في الإنسان محدودان بحدود، وهذه الحدود قد قدرها الخالق بما يناسب المهمة التي خلق لها الإنسان وهي الخلافة عن الله في الأرض .. بلا زيادة عن ذلك القدر ولا نقصان. فهو سبحانه يخلق بِقَدَر ما يشاء.

وبهاتين الصفتين تختلف كل أعمال الإنسان عن أعمال الكائنات الأخرى، في أنها أعمال"واعية"يدرك الإنسان غايتها وأهدافها. وأنها أعمال"إرادية"يريدها الإنسان ويقصدها.

ومن بين ذلك العبادة ..

فعبادة الإنسان إرادية وواعية، في جانب منها على الأقل، بخلاف عبادة غيره من الكائنات [هناك جانب غير إرادي وغير واع من العبادة -بمعنى الطاعة- هو خضوع الإنسان في محياه ومماته ونموه وصحته ومرضه، وهضمه وتنفسه .. الخ .. الخ لقوانين الله التي فطره عليها. وفي هذا الجانب يشابه الإنسان بقية الكون. ولكن يبقى له -فوق ذلك- جانبه المدرك المريد، وما يصدر عنه من عبادة إرادية وواعية] .

فإذا كانت الذرة تعبد الله بالطاعة التي لا إرادة لها فيها ولا وعي. وإذا كان الكون، والأرض وما عليها من نبات وحيوان تعبد الله على نفس الطريقة، فإن الإنسان [إلى جانب هذا اللون من الطاعة] قد أُلهِمَ طريقين لا طريقًا واحدًا: طريقة الطاعة وطريق العصيان، وأعطى القدرة على التمييز بين الطريقين واختيار أحدهما والمضي فيه:"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" [1] ."إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" [2] ."وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" [3] .

ومن ثم فهو المخلوق الوحيد -من مخلوقات الأرض- الذي يعبد الله عن وعي وفهم وإدراك. وهو كذلك المخلوق الوحيد في الأرض الذي يعصي الله، حين ينحرف عن طريق الهداية ويختار طريق العصيان.

وهو إذ يعصي، يخالف أوامر الله إليه باتباع طريق الهدى والاستقامة والنظافة والارتفاع. ولكنه -مع ذلك- لا يخالف الناموس المقرر له من لدن الله. إذ الناموس المقرر له هو استعداده للهدى والضلال، وحرية اختياره بين طريق الهدى وطريق الضلال ..

ولكنه في الحالين"يدرك"وجود الله.

ويدركه بالفطرة .."وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" [4] .

والفطرة طريقة خفية في إدراك وجود الله، والإيمان بوجوده، والاتصال به، والاستعانة به، والتزود من زاده ..

ولا نتحدث هنا عن تلك الطريقة الخفية، لأن كل حديث عنها لن يوضح ماهيتها .. ما دامت خفية الكنه .. ككل شيء في هذا الكون الهائل العجيب!

إنما نتحدث فقط عن بعض الوسائل المدرَكة التي"توقظ"الفطرة الكامنة، وتوجهها إلى الله.

وكما قلنا إن القدرة على النطق كامنة في كيان الطفل، ولكنها تحتاج إلى معونة خارجية لإيقاظها .. فكذلك مقدرة الفطرة على الاهتداء لوجود الخالق كامنة في داخلها، ولكن أمورًا خارجية توقظها وتحركها وتنميها .. أو على أقل تقدير تعطيها الوعي والإرادة اللذين تتسم بهما بقية أعمال الإنسان.

(1) سورة البلد [10] .

(2) سورة الإنسان [3] .

(3) سورة الشمس [7 - 10] .

(4) سورة الأعراف [172] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت