الصفحة 96 من 169

يحس الإنسان"بالعجز"إزاء الكيان الكوني من حوله ..

يبدأ العجز من لحظة الميلاد .. ويستمر إلى لحظة الموت .. ولا ينقطع فيما بين الميلاد والموت وإن كان يأخذ صورًا مختلفة في كل سن وكل طور من أطوار النمو الجسمي والنفسي.

هو في الطفل عجز كامل عن الحياة بغير مدد دائم ومعونة دائمة ممن حوله: بالإرضاع والرعاية في كل لحظة من النهار والليل.

ويكبر الطفل، ويكبر معه"مستوى"العجز ومجاله.

لم يعد هو العجز عن الحركة -فقد صار يتحرك- ولا العجز عن تناول الطعام -فقد صار يتناوله بنفسه- ولا العجز عن الإمساك بالأشياء وتحريكها طوع إرادته- فقد صار يصنع الكثير من ذلك ..

وإنما هو عجز على مستوى آخر. فهو عاجز عن أن ينمو بالدرجة وبالسرعة التي يريدها لنفسه. وعاجز عن أن يسيطر على هذا الشيء أو هذا النبات أو الحيوان أو الإنسان كما يشتهي .. وعاجز عن الطيران في الجو كالطيور .. وعاجز عن أن يدرك الشمس والقمر والنجوم ويمسكها بيديه .. أو يلمس السماء!

إن العجز لم يعد حسيا بحتا كما كان في المراحل الأولى من العمر -حين كان الكيان كله حسيا- وإنما صار حسيا تارة ومعنويا تارة، أو حسيا معنويا معًا في بعض الحالات.

ويظل يكبر .. ويكبر معه العجز.

حتى يستوي على أشده، وما يزال يحس بالعجز في أكبر مجالاته: العجز عن تحقيق كل ما يريد تحقيقه، والعجز عن معرفة كل ما يريد معرفته، والعجز عن السيطرة على كل ما يريد السيطرة عليه ..

حقا إنه يحقق أشياء كثيرة ويعرف أشياء كثيرة ويسيطر على أشياء كثيرة. ولكن هذا لا يغنيه، ولا ينفي عن خاطره شعور العجز. فهو يريد أن يحقق كل شيء. ويعرف كل شيء. ويسيطر على كل شيء.

وأشد ما يقف أمامه عاجزا: رغبة الخلود. والرغبة في معرفة الغيب الذي لم يحدث بعد ..

إنهما ذاتهما الرغبتان العنيفتان اللتان أزلنا آدم من الجنة، وأمسكه بهما الشيطان من خطامه، بسلطان الإغراء!:"وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ" [1] ."قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى" [2] .

ولقد حقق الإنسان معجزات كثيرة في هذا الكون. وأطلق طاقة الذرة وأطلق الصاروخ، وانطلق معهما يرتاد الفضاء .. ولكن .. هل حقق شيئا من عقدتيه الأزليتين اللتين تؤرقان باله:

هل استطاع أن يحقق الخلود في الأرض .. ألا يموت أبدًا ولا يغادر الحياة أبدًا؟

هل استطاع أن يعرف الغيب؟ لا الغيب البعيد الذي يقع بعد سنوات. بل الغيب الذي يقع بعد لحظات. بل غيب هذه اللحظة الداخلة عليه من كل باب، اللحظة التي لا يكاد يفصلها عنه زمن، ومع ذلك تفصلها عن علمه"الآماد والآباد؟!"

كلا!

ولقد أدى هذا العجز في تاريخ البشرية إلى كثير من ألوان العبادة .. المهتدية والضالة.

أدى إلى عبادة الوالد .. وعبادة قوى الطبيعة .. وعبادة الطوطم .. وعبادة الوثن .. وعبادة الله.

الطفل العاجز ينظر إلى ولده نظرة تبجيل شديد واحترام، يصلان إلى حد التقديس .. إلى حد العبادة الخفية .. ومرد ذلك إلى ضآلة حجمه بالقياس إلى حجم والده، وضآلة قدرته إلى جانب قدراته. وقد كانت البشرية الأولى -في فترات ضلاله وجاهليتها- تعيش بحس الطفل ومشاعره واتجاهاته وتصوراته. ومن ثم اتجهت -في فترة من فتراتها- إلى عبادة الأب وتقديسه بمختلف صور العبادة والتقديس.

(1) سورة الأعراف [20] .

(2) سورة طه [120] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت