والإنسان العاجز إزاء قوى الطبيعة .. إزاء البرق والرعد والمطر والعواصف والسيول .. يحس في هذه الطبيعة بالهول .. ويحس إزاءها بالضآلة. ويحاول -في طفولته- أن يترضاها، لأنه يتصور لها نفسا، ويتخيل لها مشاعر، تغضب وتعطف، وتقسو وترق. فيستعطفها لترحمه ولا تناله بالأذى.
وقد كانت البشرية الأولى -في بعض فترات انحرافها- تتعبد الطبيعة بهذا الدافع، وتقدم لها القرابين! وتتصور إلها للبرق وإلها للرعد وإلها للمطر وإلها للريح وإلها للنار .. ثم تنصب لكل إله من هؤلاء معبدًا تحاول فيه أن تتقرب إليه وترضيه!
وإذا كان الرمز أحد مواهب البشرية وخصائصها، وهو الذي كوّن لها اللغة بما تشتمل عليه من رموز واصطلاحات، فالنقلة من عبادة الولد وعبادة الطبيعة، إلى عبادة الطوطم وعبادة الوثن نقلة قريبة في نفس الإنسان!
وقد كانت هذه كلها انحرافات عن العبادة الحقيقي، مارستها البشرية في مختلف مراحل ضلالها .. وإن كانت في وسط ذلك التيه -بين الحين والحين- قد قامت إلى عبادة الله الواحد على أيدي الرسل والرسالات.
والذي يهمنا هنا -من الوجهة النفسية- أن النفس البشرية- ضالة أو مهتدية- تحس إحساسًا فطريا بالعجز إزاء قوة أكبر منها .. ويكون هذا العجز لديها عنصرًا من عناصر"الدين".
ويحس الإنسان -غير العجز- بالرهبة إزاء روعة الكون ..
وتأخذه هذه الرهبة فيبحث عن الخالق!
إن الكون هائل رائع واسع فسيح الأبعاد ..
ولهذا كله وقعه في الحس البشري .. لا يمكن أن يهرب منه ولو أراد الهروب!
إنها روعة تبدهه في كل اتجاه .. أيًا كان الاتجاه .. وتبدهه في كل مستوى وفي كل نطاق.
السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم .. تلك الأجرام الهائلة المعلقة في الفضاء بغير عمد ..
وتوالى الليل والنهار والضوء والظلام ..
ودورة القمر من الهلال البازغ في الأفق صغيرًا ضئيلا كالخيط المنير .. إلى البدر الكامل .. ثم يعود أدراجه حتى يصير كالعرجون القديم.
والرعد والبرق والصواعق والمطر والسحاب ..
والأرض وما عليها من جبال رواس، ووديان وأنهار ..
والكائنات التي لا عدد لها ولا حصر على اليابسة وفي جوف الماء وفي وسط السماء، كل منها يختلف عن الآخرين ..
والدقة المعجزة في كل الخلق ..
في انتظام الفلك في دورته .. لا يختل قيد شعرة في الفضاء الرهيب ..
في الشطأة الصغيرة النابتة من الأرض تفلق الطين لتبرز إلى النور ..
في الطائر الصغير الناقف من البيضة يتحرك ويسقسق ويتناول من فم أمه الحب ..
في الريشة الدقيقة الزاهية الألوان الدقيقة التركيب ..
في كل شيء تقع عليه العين أو يدركه الحس ..
وأيًا كان مستوى الإنسان من العلم والثقافة والمدنية والرقي .. فالكون يوقّع على حسه توقيعات شتى تناسب مداركه ومعلوماته .. وفي كل حالة يروعه ويهزه من الأعماق ..
يروعه فيبحث عن الخالق!
هكذا بالفطرة ..
إنه يدرك من تجاربه أو يدرك بالبديهة أن كل شيء له صانع. ومن ثم يبحث عن صانع الكون الأعظم الرائع الفسيح.
وقد يهتدي في بحثه وقد يضل ..
قد يهتدي إلى أن الله هو الصانع .. وقد يضل فيعبد الكون ذاته بدلا من أن يعبد الله ..
ولكنه في كلتا حالتيه يؤخذ بروعة الكون، لأن في فطرته أن يؤخذ بالجمال والروعة والجلال.
وفي كلتا حالتيه تكون هذه الروعة لديه عنصرًا من عناصر الدين.
ويروعه الموت ..
فهو بالنسبة إليه حدث ضخم هائل مروّع ..
إن الطفل -لشدة ألفته للحياة، ورغبته فيها، وتشبثه بها -يحسب أن الحياة هي القانون الطبيعي للوجود من حوله، ويتصور أنها الأمر الدائم للأحياء .. بل إنه لفرط حيويته وتشبثه بالحياة ليضفي الحياة حتى على الجوامد المحيطة به، فيتصورها حية تحس وتتحرك كالأحياء.