الصفحة 98 من 169

ثم يفجؤه الموت .. يراه يقع أمامه .. فيرتاع.

هذا الكائن الذي كان حيًا أمامه يأكل ويشرب، وينمو ويتحرك، ويتعاطف معه ويستجيب .. هذا الطائر أو الحيوان الأليف .. أو الإنسان .. إنه -في لحظة- يقع أمامه ميتًا لا حراك به .. ساكنا لا ينطق ولا يقدر على شيء .. ولا يتعاطف ولا يستجيب.

وتصيبه هزة عنيفة تهزه من أعماقه ..

ما معنى هذا؟ ما معنى"الموت"؟ ما معنى الفناء؟

والوجود إذن .. هذا الذي كان من قبل بديهية لا تحتاج إلى سؤال .. ما معناه؟ ما حدوده؟ ومن الذي يرسم هذه الحدود؟

هنا نافذة إلى الله .. !

نافذة إلى القدرة التي تخلق وتمنح الحياة .. ثم تأخذ الحياة وتردها إلى العدم الذي لا وجود له.

وقد يهتدي الإنسان في هزته تلك إلى الله .. وقد يضل فيحسب أن الطبيعة أو الدهر أو ما شابهها هي التي تسلب الكائن الحياة .. أو يتصور الموت ذاته إلها في مقابل إله الحياة!

ولكنه في كلتا حالتيه يروعه الموت .. ويقوده إلى الدين.

وتروعه"الأحداث".. أي"حدوث"الأشياء ..

كيف تحدث؟ بأي قوة عجيبة قادرة منشئة مبدعة؟

الميلاد والموت .. الصحة والمرض .. القوة والضعف .. الرزق والمكانة .. الذهاب والمجيء .. وشتى الأحداث التي تصيب الإنسان في حياته أو يراها تقع أمامه ناظريه ..

من الذي يحدثها؟ وكيف يحدثها؟

وهنا كذلك تتفتح نافذة إلى الله .. إلى القدرة القادرة التي تُحدث الأشياء. القدرة التي تقزل للشيء كن، فيكون.

ولقد يهتدي إلى الخالق الحق .. أو يتصور آلهة شتى تدبر الكون وتحدث الأحداث.

ولكنه في كلتا الحالتين يؤخذ"بحدوث"الأشياء .. ويقوده ذلك إلى الدين.

تلك كلها عوامل تفتح في القلب البشري نوافذ إلى الخالق المدبر المبدع القدير. وتوقظ العقيدة الكامنة في صميم الفطرة .. توقظها ولكنها لا تنشئها إنشاء من لا شيء!

إن الكون الخارجي لا يُحدث في النفس شيئًا لا يكون موجودًا فيها من قبل!

الأصوات التي تحدث في الكون ليست هي التي تنشئ القدرة على السمع! فهي موجودة سواء سمعها الإنسان أم لم يسمعها .. وهي موجودة ومع ذلك لا تسمعها الكائنات غير ذوات الآذان؟

والأضواء التي تحدث في الكون ليست هي التي تنشئ القدرة على الإبصار! فهي موجودة سواء رآها الإنسان أم لم يرها .. وهي موجودة وإن كانت لا تراها الكائنات التي ليس لها عيون!

وكذلك بقية الأشياء ..

ولكن حين توجد الحاسة فهي تستطيع أن تميز الأصوات والأضواء والأشياء، وتتأثر بها، ثم تتكيف بهذه التأثرات تكيّفات شتى، تناسب فطرتها واستعداداتها.

فالحيوان يرى ويسمع .. والإنسان يرى ويسمع .. ثم يتأثر كل منهما بالشيء ذاته تأثرًا خاصًا، وينتج عنه في حياة كل منهما أثر مختلف.

وكذلك الأمر في فطرة الدين ..

إن التوقيعات الكونية على الحس البشري توقظ الفطرة وتوجهها إلى الخالق .. ولكنها لا تنشئ هذا التوجه ابتداء .. فهو من صميم الفطرة .. منذ لحظة الميلاد:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا"صدق الله العظيم.

والقاعدة العامة في كيان الحياة كلها أن الخارج لا ينشئ شيئًا، ما لم يكن الاستعداد له موجودًا في الداخل من قبل!

وهذا التوجّه موجود في داخل النفس. وإنما ينتظر -كالقدرة على النطق- أن توقظه من الخارج شتى المؤثرات.

والطفل، منذ يأخذ في الإدراك، يأخذ في هذا التوجه.

يأخذ يسأل سؤالا ملحا عن عشرات وعشرات من الأمور.

من الذي"عمل"السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم؟

من الذي يعمل النور والظلام؟ والبرق والرعد والمطر والسحاب؟

كيف ماتت القطة العزيزة أو الكلب أو الأرنب أو العصفور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت