الصفحة 99 من 169

وما معنى الموت؟ ولماذا تموت الأشياء؟

ما اتساع الكون؟ ما آخر مداه؟

متى أكبر؟

كيف جئت إلى هذا العالم؟ ومن الذي جاء بي؟

ثم يأخذ الطفل في النضج .. وتزداد معارفه .. ويزداد بحثه في الكون والحياة والأحياء.

وفي كل مرحلة يتكوّن في نفسه تصور جديد من تصورات الدين.

والكبت .. وعقدة أوديب .. وكل هذه الأساطير التي ابتدعها فرويد بلا دليل علمي .. لا علاقة لها البتة بفطرة الدين. فالدين لا ينشأ من الكبت، ولا صلة له بالجنس أو العشق المزعوم.

وإنما هو شيء من صميم الفطرة، ينمو معها كلما نمت. ينمو نموًا فطريًا"طبيعيًا"دون تدخل من أحد. وإنما التدخل الخارجي ينظمه ويوجهه الوجهة الصالحة، ويقيمه على أساسه الصحيح.

والمنع أو الكبت ليس هو الذي ينشئ الدين في النفوس. وإنما الأجدر أن يكون الدين هو الذي يساعد على نمو"الحواجز"التي تنظم انطلاق الطاقة الحيوية وتحدد لها مجالها النظيف.

فالدين تتبعه حتما وتلازمه"قيم"معينة ..

يتبعه قيام حواجز في النفس تضبط السلوك والمشاعر، وتقول للإنسان هذا جائز وذاك أمر لا يجوز.

وارتباط الدين بهذه الحواجز قديم قدم البشرية ..

فإحساس الإنسان الفطري بضآلته إزاء القوة الخالقة، وإحساسه بالروعة والجلال، وإحساسه بأنه مأخوذ بمظاهر القدرة المختلفة، هو الذي يجعله يخرّ ساجدا يتعبد ..

ثم يحس -إحساسا فطريا- بغير ضغط خارجي- أنه ينبغي له أن يلتزم بحركات معينة وأفعال معينة وسلوك معين إزاء هذه القوة التي يتعبدها، لكي ينال رضاها ويتقي غضبها. وهو يلمس في حسه دائمًا مظاهر هذا الغضب وهذا الرضى .. على نحو من الأنحاء.

والخوف والرجاء .. أكبر خطين متقابلين في النفس البشرية .. هما اللذان ينظمان هذا الالتزام إزاء القوة الخالقة ويجعلانه دستورًا مفصلا من المشاعر والسلوك والأعمال والأفكار والطقوس والشعائر ..

ومع هذا الالتزام تنشأ"القيم"المختلفة .. أو تتبلور.

والقيم معناها [كما سنبين بالتفصيل في الفصل القادم] أن هناك حواجز تحجز الطاقة الحيوية لتضبط منطلقاتها، وترفعها إلى أفق أعلى.

ومن ثم يرتبط الدين برغبة الالتزام الفطرية في النفس البشرية [1] ، ثم بالقيم والضوابط، ارتباط متسلسلا، طبيعيا، فطريا، لا ضغط فيه من الخارج ولا إكراه.

وإنما الديانات السماوية تنظم هذا كله وتوجهه الوجهة الصحيحة.

تنظم التوجّه المبهم إلى القدرة الخالقة، فتجعله توجّهًا واعيا صريحا خالصا إلى الله.

وتنظم الالتزام فتجعله التزاما بعبادات وشعائر محددة يعلم الله حكمتها فيفرضها على الناس.

وتنظم القيم، فتجعلها قيما عليا راشدة بريئة من الميل والهوى والنقص والانحراف.

والذي تفرضه الديانات السماوية وتلزم الناس به ليس هو الدين. ولا العقيدة. ولا التزامات العقيدة. ولا القيم المرتبطة بالعقيدة. وإنما هو النهج الصحيح في كل هذه الأمور.

وإذا لم يُفرض هذا المنهج، فسيكون هناك دين وعقيدة وقيم والتزامات. ولكنها تكون كلها عرضة للانحراف، كما ينحرف كل شيء في الفطرة البشرية لا يتلقى توجيهه الصحيح.

والنفوس المنحرفة تنفر من قيود الدين السماوي والتزاماته، لا لأن الدين ليس فطرة، أو أن الالتزام ليس فطرة، ولكن لأن انحرافات هذه النفوس تجعلها معوجّة، فلذلك تحس أن"الاعتدال"و"الاستواء"و"الاستقامة"الموجودة في دين الله تضغطها وترهق كيانها الذي لا يصبر على الاستواء!

والملحدون في الجاهلية الحديثة في الغرب يتمردون على الله لأسباب محلية في الكنيسة الأوربية نفّرت الناس من الدين!

(1) انظر فصل"الخطوط المتقابلة في النفس البشرية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت