الصفحة 100 من 169

فقد تولت الكنيسة -بادئ ذي بدء- وضع صورة من عندها للعقيدة المسيحية المنزلة، لم تكن خالية من شوائب الوثنية المحيطة بها، ولا أساطير الأمم المجاورة لمنبت العقيدة الأصلية. وقد نشأ ذلك من أن أول داعية للمسيحية لم يكن هو ذاته رأي المسيح ولا سمع تعاليمه مباشرة، وإنما هو أخذها بالسماع ممن تداولوها خلال قرن كامل بعد السيد المسيح، دون كتاب مدون، وفي ظل العسف والاضطهاد الرومانيين اللذين كانا يمنعان المؤمنين الأوائل بالمسيحية من الالتقاء والتدارس فيما لديهم من أمور العقيدة وتعاليمها.

ثم نشرت الكنيسة الرهبانية -بعد دخول الإمبراطورية الرومانية في المسيحية- بقصد مقاومة الترف الروماني الوثني الفاجر والانحلال الخلقي الذريع. ولكنها اشتطت في هذه الرهبانية إلى درجة تعطل دفعة الحياة وتقاوم الفطرة البشرية ودوافعها الحية، وتحولها إلى سلبية هزيلة لا تنتج ولا تعمر ولا تتقدم، فضلا عما تحمله من كبت مرهق للأعصاب.

ثم إنها هي ذاتها لم تمتثل لهذه الرهبانية التي فرضتها على الناس! فسرعان ما اكتشف الناس أن رجال الدين -الذين يزجرون الناس وينهرونهم عن كل متاع أرضي، ولو كان حلالا طيبا- يغرقون هم في ألوان من المتاع الفاجر الدنس الذي تأباه نفوس الناس العاديين فضلا عن رجال الدين المتنطسين! وكانت الأديرة والصوامع مباءات للفاحشة المنكرة التي يأباها الحس السليم!

ثم جعلت الكنيسة من دينها هزوًا ولعبًا حين أخذت تبيع صكوك الغفران للناس، وتجعلها تجارة فاسقة، تثرى هي من روائها، بينما تؤدي إلى إفلاس العقيدة في النفوس!

ثم لم تكتف الكنيسة بكل ذلك، بل فرضت على الناس سلطانا بشعا يطاردهم في يقظتهم ومنامهم، يفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين، ويفرض عليهم الإتاوات والعشور، والخدمة المجانية التي تشبه السخرة في إقطاعيات الكنيسة الشاسعة، ويفرض عليهم فوق ذلك كله أساطير الكنيسة باسم كلمة السماء!

لقد كانت الطامة الكبرى -بعد كل هذا الفساد والانحراف في التصور العقيدي والسلوك العملي- أن الكنيسة فرضت نظريات"علمية"معينة، عن شكل الأرض وطبيعة الكون وعمر الإنسان .. الخ قالت عنها إنها مقدسة لأنها كلمة السماء، من خرج عليها فهو كافر مستحق للحرمان.

فلما أثبت العلم النظري والتجريبي فساد هذه النظريات، وأعلن العلماء فسادها، قامت قيامة الكنيسة، التي فزعت من نور العلم، ومن ضياع الجهل الذي تستعبد الناس عن طريقه، فهي حريصة على بقائه واستمراره .. قامت قيامة الكنيسة تحرق العلماء وتعذبهم وتقتلهم، لأنهم -مثلا- قالوا بكروية الأرض، أو بأنها ليست مركز الكون ..

ولقي علماء مثل جاليليو وكوبرنيكوس وجوردانو برونو من التعذيب الوحشي البشع على أيدي رجال الدين ما قطع في نفوس الناس ومشاعرهم كل مودة للدين ورجال الدين، وأنشأ بدلا منها في نفوسهم بغضا بشعا لا يتعقل ولا يتلبث وهو يلقى عن كاهله الدين وكل ما يتعلق به من قيم والتزامات وعقائد وتعاليم.

فلم يكن الناس -في نفرتهم هذه- في حالة نفسية تسمح بالبحث والتأني، لفرز الحق من الباطل، وإلقاء الباطل واتباع الحق .. وإنما كانوا كالملسوع الذي يصيح هاربا من كل لمسة ولو كانت لمسة الدواء!

وبسبب من ذلك التاريخ الفاسد المنحرف كله قامت الحضارة الغربية الحديثة على أساس معاد للدين، نافر منه، منسلخ من كل ما يتصل به من عقيدة أو تصور أو سلوك أو شعور أو فكر .. وانتشرت العدوى مع الحضارة الغالبة حيثما وطئت قدماها، فأصبح النفور من الدين في هذا العصر الحديث كأنه"ظاهرة"بشرية! وهو لا يزيد على أن يكون مرضا أصاب جيلا من البشرية أو عدة أجيال!

والبشرية اليوم في طريقها للعودة إلى الله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت