الصفحة 101 من 169

في طريقها أن تعود إلى فطرتها، بعد هذه الجولة التائهة في شعاب الجاهلية المنحرفة .. التي لم تجد فيها الأمن والراحة .. بل وجدت من الشقاء النفسي والفكري والروحي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ما لم تجد مثله في تاريخها الطويل ..

والدين الذي فرضه الله يلتقي بالفطرة التقاء كاملا .. ولكنه يلتقي بها على استوائها، في صورتها الصحيحة التي ينبغي أن تكون عليها .. ثم هو يقوّمها من انحرافها الذي تتعرض له في أثناء نموها وتطورها.

وفي الفصول السابقة بينا خطوط النفس البشرية ومكوناتها وطبيعة فطرتها.

فهنا نبين كيف يلتقي الدين الذي فرضه الله -الإسلام [1] - بهذه الفطرة ويقوّمها:

بادئ ذي بدء يوقع القرآن على الحس البشري، على ذات الأوتار التي يتجه بها هذا الحس فطريا إلى العقيدة ..

فإذا كان الإحساس بقوة الخالق المطلقة، والإحساس بروعة الكون، والإحساس بالموت والحياة، والإحساس بحدوث الأشياء، هي الأوتار الفطرية -الظاهرة- التي توجه الإنسان إلى العقيدة، فالقرآن يوقظ هذه الإحساسات وينبهها، لكي لا تتبلد بحكم الإلف والعادة اللذين يبلدان الحس بهذه الأمور.

وقد تحدثت في كتاب"منهج التربية الإسلامية"عن هذه الظاهرة في القرآن في فصل"تربية الروح"بتفصيل لا أملك هنا إعادته، فهو ألصق بموضوع التربية منه بدراسة النفس الإنسانية. ويكفي هنا أن نثبت هذه الحقيقة، ثم نأتي بنماذج قليلة لهذه التوقيعات المتعددة في القرآن:

"الروح .. تلك الطاقة المجهولة التي لا نعرف كنهها ولا طريقة عملها .. هي وسيلتنا للاتصال بالله."

"وهي مهتدية إلى الله بفطرتها. إنها من روح الله التي أودعها قبضة الطين:"فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ". ومن ثم فهي بذاتها تهتدي إلى خالقها، وتتصل به على طريقتها. تهتدي إليه كما يهتدي كل شيء من خلق الله، بفطرته، دون كد ولا تعب ولا جهد في الاهتداء"رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى".. ومع ذلك فالإنسان يضل .. يضل حين تنحرف فطرته ويصيبها المرض .. يضل فلا يهتدي إلى الله، ولا يصل بروحه إليه، ولا يستمد منه، ولا يلجأ إلى حماه."

"على أنه حتى حين يضل، حين تنغبش روحه فلا تستطيع أن تشف، حين يغشيها ركام الشهوات فيحجب عنها النور، حتى حينئذ تظل بقية من الفطرة -برغم ضلالها- تتجه إلى خالقها، كما تتجه العين الكليلة إلى الضوء، لا تراه كله، ولكنها لا تعمى عنه. فيعبد الناس الله ويشركون به غيره من الكائنات"مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى"."وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ". أو يعبدون قوة -ما- يزعمون أنها الله. ولكنهم -فيما عدا الشذوذ الذي لا يحسب له حساب- لا ينكرون وجود خالق لهذا الكون قوي مسيطر مريد."

"ومهمة العقيدة هي مساندة الفطرة وتوجيهها وجهتها. مهمتها أن تساعد الفطرة في الاهتداء إلى الله .. الاهتداء الذي هو كامن في كيانها ولو حجبتها عنه الأمراض."

"مهمتها أن تطلق الروح من إسارها .. لكي ترى الله."

"طريقة الإسلام في تربية الروح هي أن يعقد صلة دائمة بينها وبين الله، في كل لحظة وكل عمل وكل فكرة وكل شعور."

"ويستخدم لذلك وسائل شتى."

"فهو من ناحية يثير حساسية القلب بيد الله المبدعة في صفحة الكون، لتحس دائمًا بوجود الله، وقدرته المطلقة التي ليست لها حدود."

(1) قال تعالى:"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ"سورة آل عمران [19] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت