الصفحة 75 من 169

والألم هو المهماز الذي يدفع الإنسان من الخلف .. فيتحرك ليبعد عنه. فقد ركب في طبيعته أن ينفر منه ويسعى بعيدًا عنه، كما ركب في القطبين المتشابهين أن يحدث بينهما النفور والابتعاد.

وكل نزعة فطرية مزودة بهذين العاملين المساعدين .. لضمان تحركها دائمًا إلى الأمام.

الطعام والشراب ضرورة لحفظ الذات .. فكان لا بد من ربطهما بالألم واللذة من الخلف والأمام.

والجوع والعطش هما المهماز الذي يدفع الإنسان -بالألم- فيسعى إلى الطعام والشراب لإسكان هذا الألم الذي لا يهدأ ولا يكف حتى يستجاب له.

ولكن الألم لا يكفي!

فهناك لذة الشبع والري .. وهما معًا: اللذة من الأمام والألم من الخلف يدفعان إلى طلب الطعام والشراب محافظة على كيان الذات!

والملبس ضرورة كذلك ..

والألم الذي تحدثه عوارض الجو من البرد الشديد والحر .. الخ. دافع من الخلف للتزود باللباس.

واللذة التي يحدثها الدفء وتحدثها الوقاية من عوارض الجو جاذب يجذب من الأمام.

والجنس أداة حفظ النوع ..

ولا بد كذلك من اللذة والألم لضمان القيام بالدور المطلوب، حتى لا تقعد المتاعب والمشاكل المترتبة على النسل عن أداء هذا الدور من جانب الذكر أو الأنثى سواء.

ولأن المتاعب كثيرة جدًا، والمشاكل شديدة التعقيد .. كان لا بد أن يكون الجذب عنيفًا جدًا والألم لا يطاق الاصطبار عليه .. حتى يوجد الضمان الكافي للتنفيذ!

ولضمان حفظ الذات وحفظ النوع كان لا بد من الاستحواذ على أشياء .. أشياء من الطعام والشراب والملبس وغيرها من الحاجات .. خوفًا من نفادها وتعرض الإنسان للهلاك.

وكان لا بد كذلك من الحداء من الأمام والألم من الخلف .. الحداء باللذة المترتبة على الملك .. لذة رؤية الأشياء ولمسها وشمها وذوقها، والاستحواذ المادي عليها .. والألم من عدم التملك .. الألم من"الحرمان".

ولضمان حفظ الذات وحفظ النوع كان لا بد من الذود عنهما ضد الأخطار .. أي القتال .. وكان لا بد للقتال كذلك من الرباطين من الأمام والخلف .. فمن الخلف كان الألم من التعدي على كيان الإنسان -فردًا أو جماعة- التعدي على الذات أو ما يتصل بها من ممتلكات. ومن الأمام كانت لذة الانتصار على الآخرين ..

ولضمان حفظ الذات وحفظ النوع كذلك كان لا بد من دافع التميز والبروز، كعامل مساعد، يغري بأن يندفع كل إنسان إلى الأمام في أداء هذه المهمة وتلك، ولا ينكص على عقبيه .. وكان لا بد من رباطين لدافع البروز .. الألم الذي يحسه الإنسان من تخلفه وبروز غيره عليه، واللذة التي يحسها في أن يسبق غيره ويفوز ..

تلك هي الدوافع الفطرية .. وتلك مهمتها في كيان الإنسان ودوره في الحياة.

لا شيء منها يوجد جزافًا في كيان الإنسان ..

ولا شيء يتصل بمفرده ..

إنما تعمل كلها جميعًا لتصب في المرجل الرئيسي الأكبر .. في الدافع الأول في الكيان البشري، وهو حب الحياة والاستمتع بالحياة .. وهذا بدوره هو الذي يدفع الإنسان للعمل والإنتاج والإنشاء والإبداع والتعمير .. الذي هو مهمة الخلافة عن الله ..

وكل تفسير للنفس الإنسانية بدافع واحد من دوافع الحياة، هو تفسير ناقص قصير النظر محدود الرؤية عاجز عن التفسير!

التفسير الجنسي للسلوك البشري الذي قال به فرويد ..

التفسير المادي الذي يقول إن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام، والذي قال به ماركس وإنجلز، وغيرهم من دعاة التفسير المادي والتفسير الاقتصادي للتاريخ.

والتفسير السيكلوجي الجزئي الذي يقول إن رغبة البروز هي الدافع الأصيل للإنسان، سواء في صورة رغبة في التفوق كما أدلى بها"أدار"أو شعور بالنقص ومحاولة للتعويض كما أدلى بها"يونج"تلميذا فرويد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت