الصفحة 105 من 379

وسوف نستعرض هنا بعض النماذج من السور المكية لنرى كيف يعالج القرآن قضايا العقيدة"على الطبيعة"لا على طريقتنا العقلية التجريدية التي تقسم الموضوع إلى عناصر ومفردات! وكيف تتجمع التوقيعات لتعطي لحنًا متوافقًا متكاملا يختلف في كل مرة، ولكنه يصل في النهاية إلى نفس الغاية .. يصل إلى الله ..

وليس المقصود من عرض هذه النماذج -ولا النماذج المدنية حين تأتي في موضعها- إعطاء أي لون من ألوان"التفسير". فمن أراد التفسير فليرجع إليه في مصادره المعروفة ولكني أعرضها فقط كنماذج لبيان طريقة القرآن في معالجة الموضوعات التي يتناولها، وبيان اختلاف طرائق العرض وإن اتحد الهدف واتحد الموضوع.

وقد اخترت في مقدمة ما اخترت من النماذج سورة الرعد. وفي السورة خلاف بين المفسرين في كونها مكية أو مدنية. وقد رجّح صاحب الظلال أنها مكية. وهناك من الدلائل ما يرجح هذا الظن، وإن كان القطع الكامل غير ممكن. وقد اخترتها -مع النماذج الأخرى المتفق على كونها مكية- لأنها، مع صغر حجمها نسبيًا، تشتمل على حشد رائع من التوقيعات المتصلة بالعقيدة قد لا يتجمع في صورته هذه في السورة الأخرى المساوية لها في الطول، بالإضافة إلى أن لها في نفسي إيقاعات خاصة أحببت أن أشرك القارئ فيها معي!

فإذا تبين في أي يوم من الأيام أنها سورة مدنية على سبيل القطع [وكونها مكية هو الأرجح عندي حتى هذه اللحظة] فإن ذلك لن يغير شيئًا في الوضع. فقد قلنا من قبل إن حديث العقيدة لم ينته بانتهاء الفترة المكية، بل ظل القرآن في الفترة المدنية يتحدث عن العقيدة حتى آخر آية نزلت من القرآن!

واخترت كذلك سورة لقمان وسورة فاطر لتأثرات خاصة عندي لا يتحتم أن تكون موجودة عند كل قارئ! ولكن القرآن كله قرآن! وحيثما أردت فستجد النماذج التي تعطيك ما تريد. بل تعطيك بقدر ما تطيق أنت أن تأخذ، ويظل فيها دائمًا جديد لكل مستزيد. فهي البحر الزاخر تذهب إليه لتغترف منه فيعطيك على قدر الإناء الذي أتيت به، ولو جئت بإناء أكبر لأعطاك!

بل ينفد البحر ولا تنفد كلمات الله:

"قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدا" [1] .

"وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [2] .

وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول في وصف القرآن".. لا تبلى جدته ولا تنفد عجائبه" [3] أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

(1) سورة الكهف: 109.

(2) سورة لقمان: 27.

(3) أخرجه الدرامي- كتاب فضائل القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت