الصفحة 204 من 379

سورة البقرة هي أول ما نزل من القرآن في المدينة، وهي أطول السور القرآنية جميعًا إذ تستغرق أكثر من جزءين من أجزاء القرآن، وفيها حشد من الموضوعات المتنوعة أكثر مما حوته أية سورة أخرى من سور القرآن ..

ولأول وهلة يبدو هذا الحشد مجرد انتقال من موضوع إلى موضوع بغير نظام! وذلك الذي يقوله الذين لا يعلمون من المستشرقين وتلاميذتهم"المثقفين"! ولكن هذه السورة رغم طولها ذلك ورغم هذا الحشد المتنوع من الموضوعات، ذات"تنسيق"دقيق في بنائها، يربط هذا الحشد المتنوع كله في رباط محكم، بحيث يصبح له -على تنوعه-أهداف واضحة محددة، و"شخصية"موحدة!

ولا نستطيع هنا في تلك اللمحة السريعة أن نستعرض كل موضوعات السورة، وإن كنا سنقف وقفات سريعة عند بعضها. ولكنا نقول كلمة موجزة عن هذا"التنسيق"الدقيق الذي يقوم عليه بناء السورة:

القسم الأول من السورة يستغرقه الحديث عن بني إسرائيل. ومن أهم دواعي ذلك سببان رئيسيان، أولهما أن بني إسرائيل هم الأمة التي قامت حياتها على كتاب منزل من عند الله، ثم ظلوا يبتعدون عن كتابهم تدريجيًا، حتى خرجوا منه خروجًا كاملًا في النهاية. والمسلمون في بدء إقامة دولتهم ومجتمعهم على أساس من الكتاب المنزل، يُوَجِّون ألا يفعلون يفعلون ما فعله بنو إسرائيل من قبل، بل يتمسكون بكتابهم ويحافظون عليه لكيلا يحل عليهم غضب الله الذي حل ببني إسرائيل.

أما السبب الآخر فهو الكيد المستمر من اليهود للدولة الإسلامية الناشئة، ومحاولة تقويضها قبل أن تتمكن في الأرض، بدافع حسدهم لهذه الأمة المهتدية والتواء طبيعتهم عن الاهتداء:"مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ" [1] "وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ" [2] .. فكان القرآن يعرّف المسلمين بتاريخ بني إسرائيل الماضي كله ليعرفوا عدوهم على حقيقته، ليتوقعوا منه الشر الدائم فيحذروه، ولكيلا يقوم بينهم وبينه أي لون من ألوان الولاء، إذ كان المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ يتخذون من اليهود أنصارًا وأولياء يلقون إليهم بالمودة ...

أما القسم الثاني من السورة فهو موجه إلى المؤمنين: ينظم حياتهم الجديدة بالتنظيمات والتشريعات اللازمة، ويرد على تساؤلاتهم في حياتهم الجديدة، ويحدد موقفهم من العدو الثاني وهو المشركون الذين كانوا قد أخذوا في مناوأة الدولة الجديدة، ويضع بصفة عامة قواعد الدولة الجديدة والمجتمع الجديد ..

فلننظر كيف دخل السياق إلى الحديث عن بني إسرائيل، ثم كيف انتقل من بني إسرائيل إلى الأمة المؤمنة ليضع لها دستور حياتها الجديدة .. فإن في هذين الموضوعين بالذات تبدو"الهندسة"الدقيقة في بناء السورة، وتعطينا فكرة كذلك عن البناء كله ..

لم يبدأ الحديث مباشرة عن بني إسرائيل .. بل بدأ بما يناسب افتتاح عهد جديد في حياة المسلمين، وهو قيام المجتمع المسلم والدولة المسلمة، بعد ثلاثة عشر عامًا من الاضطهاد والتشريد والملاحقة المضنية من قريش، زعيمة الجاهلية في الجزيرة العربية ..

(1) (( سورة البقرة: 105.

(2) سورة البقرة: 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت