الصفحة 366 من 379

القرآن هو الروح الذي يؤنس المؤمن في رحلته الشاقة في هذه الأرض، والنور الذي يضيء جوانب روحه، والمعلم الذي يلقنه، والهادي الذي يبين له معالم الطريق.

والحياة مع القرآن تثير في النفس عالمًا من المشاعر لا يعرفها ولا يتذوقها إلا من يصاحب القرآن بحس متطلع وقلب منفتح. عالم تسبح الروح في جنباته، ويجول الفكر فيه جولاته، وتعبّ النفس من فيضه بقدر ما ترتوي أو بقدر ما تطبق!

والحياة مع القرآن هي الحياة مع الله، فالقرآن كتاب الله المنزل وكلامه الموجه إلى"الإنسان".. إلى نفسه وقلبه وفكره وروحه. وهو كذلك حديث متصل عن الله جل جلاله وجل ثناؤه. يصفه بأسمائه وصفاته وأفعاله. يصفه بقدرته المعجزة. يصفه برحمته الواسعة. يصفه بعلمه الشامل. يصفه بكبريائه وجبروته .. يصفه بكل ما تستطيع النفس البشرية أن تدركه من الصفات.

فحين يعيش الإنسان مع القرآن فهو يعيش مع الله .. سواء حين يحس برحمة الله وفضله الغامر، الذي اقتضى أن يخاطبه رب العزة من خلال كتابه المنزل، وهو الذرة الفانية والهباءة المنثورة في هذا الكون الواسع، التي لا تزن شيئًا في ملك الله العريض هي ولا كوكبها الذي تعيش فيه كله، لولا هذه الرحمة الواسعة والفضل الغامر، الذي يتناوله بالرعاية فيرسل إليه الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، ويقرئه كتابه المنزل ليهدي به تلك النفس .. تلك الذرة الفانية .. تلك الهباءة المنثورة .. الضائعة لولا فضل الله ..

سواء حين يحس برحمة الله الواسعة تلك، أوحين يتتبع ذلك الحديث المتصل في القرآن عن الله سبحانه وتعالى من أول سورة إلى آخر سورة .. من الفاتحة إلى المعوذتين .. فهو يعيش مع الله في كل يحظة يعيشها مع القرآن.

من أجل ذلك يوصي الرسول -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين بمداومة التلاوة والذكر، ويحذّر من الجفوة والقطيعة بين المسلم وكتاب الله، لكي لا تنقطع تلك الصلة الحية، ولا ينقطع الرباط الذي يربط القلب المؤمن بالله.

لكي لا يرين الران على القلوب ..

فالنفس البشرية يغشاها ما يغشاها من جرّاء تعرضها الدائم"للتراب"المتناثر في جو الحياة .. سواء هو تراب"الجسد"أو تراب"المادة"وما يدور حولها من الصراع! وهو تراب يتراكم ويتراكم إن لم يمسحه الإنسان عن نفسه وروحه، حتى يتغبش صفاء النفس، وتعتم شفافية الروح، وتنطمس في النهاية فلا ينفذ منها النور.

والقرآن يمسح عن النفس ذلك الران، حين يعيش الإنسان فيه مع الله، فتنطلق الروح من إسارها تقبس من النور العلوي، وينسرب الحديث المتصل عن الله في أعماق النفس فيشبع فيها النور.

"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [1] .

لا غنى للمسلم إذن عن مصاحبة القرآن وتلاوته.

والتلاوة ذاتها عبادة. والقرآن هو الكتاب المتعبد بتلاوته، الذي يكتب الله لقارئه أجره على كل حرف منه يتلوه.

ولكن كيف نقرأ القرآن؟

نقرؤه لمجرد التلاوة؟

نقرؤه لنذكر الآخرة ونذكر الموت ونذكر البعث والجزاء؟

نقرؤه لنعجب ببلاغته ونطرب لجمال عبارته وألفاظه؟

نقرؤه لنستخرج منه أبحاثًا ودراسات؟

نقرؤه لنصوغ منه نظريات سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية ونفسية؟

(1) سورة النور: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت