الصفحة 95 من 379

الموضوع السادس من موضوعات السور المكية -ولا نقول الأخير! - هو أخلاقيات لا إله إلا الله .. الأخلاقيات الإيمانية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون بلا إله إلا اللهن والأخلاقيات الجاهلية التي ينبغي أن ينبذها المؤمنون.

والحقيقة أن التنديد"بأخلاقيات"الجاهلية قد بدأ منذ اللحظة الأولى، مع التنديد بفساد تصوراتهم الاعتقادية، واستمر معه حتى النهاية .. وفي ذلك دلالة معينة لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا، وهي أهمية العنصر الأخلاقي في هذا الدين، وتعمقه إلى الجذور .. الجذور العقيدية ذاتها .. وارتباط التصور الاعتقادي بالسلوك الأخلاقي في شتى مناحي الحياة.

إن الأخلاق ليست شيئًا ثانويًا في هذا الدين. وليست كذلك محصورة في نطاق معين من نطاقات السلوك البشري. إنما هي ركيزة من ركائزه، كما أنها شاملة للسلوك البشري كله.

يندد القرآن بأخلاقيات الجاهلية منذ السورة الأولى .. سورة العلق .. بل يندد بها قبل أن يتحدث عن الفساد العقيدي ذاته. وكأنه ينبهنا بذلك إلى أن الفساد العقيدي ليس فسادًا"نظريًا"ولا فسادًا في"التصور"المكنون في داخل الضمير فحسب، بل إن له آثارًا سلوكية عملية يعرف بها ويتميز ..

"كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" [1] .

والطغيان"خلق".. خلق جاهلي ينشأ من فساد عقيدي تصوري:"أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى"! فحين يتصور الإنسان -بالوهم- أنه قد استغنى بما في يده من المال والبنين والسلطان الممدود في الأرض، فإنه يطغى ويتجبر ..

ولكن ما هي حقيقة"الاستغناء"هنا؟ إن الآية تقول"استغنى"وتترك مفهومها يُفهم من بقية السياق. وواضح أنه قد"استغنى"عن الله سبحانه وتعالى! فإنه حين يكون محتاجًا يتذكر الله ويدعوه! فإذا أعطاه الله نسي! نسي أن هذا الرزق الذي بين يديه هو من عند الله! ثم نسي حقيقة أخرى: أن الله الذي أعطى ما أعطى قادر على أن يسترد ما أعطى، ويعيده إلى حالته قبل هذا العطاء!

كلا! إن الإنسان لينسى هذه الحقائق فيطغى ..

يتوهم أن ما بين يديه من الرزق هو من صنع نفسه ولا يد لله فيه! ويتوهم أنه باق بين يديه لا يزول، وليس لله عليه سلطان .. فيجره هذا الوهم وذاك إلى تصور خاطئ هو أنه قد استغنى عن الله سبحانه ولم يعد في حاجة إليه .. ومن ثم يطغى فلا يلتزم حدا من الحدود ..

وهذه الأوهام كلها ناشئة عن فساد في التصور الاعتقادي ..

فلو أن هذا الطاغية عرف الله على حقيقته لقدر الله حق قدره .. ولعلم أنه لا يمكن أن"يستغني"عن الله لحظة واحدة .. لأنه هو وكل ما يملك داخل في ملكوت الله سبحانه وتعالى، خاضع لسلطانه، ورهن لمشيئته .. إن شاء أبقاه وإن شاء أزاله .. ولا تستطيع قوة في السماء ولا في الأرض أن تمنعه من الله ..

لو أنه عرف هذا على حقيقته لزال عنه وهم"الاستغناء"عن الله .. وزال عنه بالتالي ذلك الطغيان الذي أحدثه وهم الاستغناء .. ولاستقام سلوكه على الأرض نحو الله ونحو الناس ..

وهكذا يتبع السلوك من التصور، ويؤدي التصور إلى السلوك ..

وإن السياق ليلفتنا إلى هذه الحقيقة حتى قبل أن يشير إشارة مباشرة إلى الفساد العقيدي:

"أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى، أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى" [2] .

فالأصل في ذلك الانحراف كله أنه"كذب وتولى".. كذب بالألوهية الحقة والربوبية الحقة، وأدار ظهره للهدي الرباني الذي يأمر بالتقوى .. فصار ينهى عبدا إذا صلى، وصار يطغى لأنه يظن نفسه استغنى!

(1) سورة العلق: 6 - 7.

(2) سورة العلق: 9 - 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت