الصفحة 20 من 379

إذا كانت العقيدة هي الموضوع الرئيسي في القرآن كله، مكية ومدنية، فقضية الألوهية هي الموضوع الرئيسي في العقيدة، وهي التي تشمل الحيز الأكبر من مجموع الكتاب.

وهذا هو الأمر الطبيعي الذي لا غرابة فيه .. فحقيقة الألوهية -من جهة- هي الحقيقة الكبرى في هذا الوجود كله، التي يقوم الكون كله بها، ومن جهة أخرى هي الركيزة الكبرى التي تقوم عليها عقيدة"الإنسان".

وإذا كنت قد قلنا من قبل إن حديث القرآن المتكرر عن العقيدة ليس ناشئًا من إنكار العرب في الجاهلية، ولا ناشئًا من أن القرآن كتاب"دين"، إنما هو الأمر الطبيعي بالنسبة لتكوين الإنسان ذاته، وبالنسبة للأهمية الذاتية للموضوع، فكذلك نقول هنا مرة أخرى إن الحديث المسهب عن الألوهية في القرآن ليس سببه انحراف الجاهلية العربية -والجاهليات كلها- في تصورها لله، فإن السور المدنية التي نزلت للمؤمنين -لا للمشركين- ظلت تتحدث عن الألوهية باستفاضة وإسهاب، وتلمس أوتار القلب البشري بهذه القضية من كل جانب وفي كل مناسبة، بحيث لا يعود لدينا شك في أن القرآن يولي قضية الألوهية تلك الأهمية العظمى لا لذلك السبب العارض وهو انحراف الجاهلية العربية، ولكن لسبب يتعلق"بالإنسان"ذاته في كل حالاته، وأن المؤمنين -وإن كانوا مؤمنين- لا يزالون في حاجة دائمة إلى التذكير.

والقرآن يخاطب في قضية الألوهية مجموع"الإنسان"كله، لا عقله وحده ولا وجدانه وحده؛ ويخاطبه في جميع حالاته، ويتحدث عنه كذلك في جميع حالاته: مقبلًا ومدبرًا، صاعدًا وهابطًا، حيّ الوجدان ومتبلد الحس، متفتح البصيرة ومغلق البصيرة، مستثارًا وهادئًا، متطلعًا وخائفًا، ضاحكًا وباكيًا، مستكبرًا ومستسلمًا، يقظًا وغافيًا، مستقيمًا على أمر الله وجانحًا عن السبيل .. كما أنه -وهو يخاطبه- يحيط به من كل جانب ويدخل إليه من كل أقطار نفسه: من صفحة الكون المعروضة أمامه، من الأحداث الجارية حوله، من نفسه وما يجري فيها، من مشاهد الدنيا ومشاهدة الآخرة، مما تدركه الحواس وما لا تدركه الحواس ... كما يواجهه بحقيقة نفسه: عاجزًا ضعيفًا محتاجًا، مقرًا بعجزه في ساعة الكرب ملتجئًا إلى الله ساعة الشدة، مستكبرًا طاغيًا حين تنتهي الشدة وتمر، ويظن أنه استغنى عن الله! إلا المصلين .. !

وبهذه المواجهة الدائمة الشاملة المحيطة يظل بالقلب البشري حتى يتفتح لحقيقة الألوهية، ثم يؤمن بها، ثم يستقر الإيمان في القلب، ثم يستقيم على الإيمان!

قلنا إن الله أودع في الفطرة أن تبحث عنه، وتتجه إليه، وتتعبده:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" [1] .

ولسنا نعرف -كما أسلفنا- كيف تم ذلك الإشهاد .. ولكننا نلاحظ أشياء تدلنا على أن الفطرة تتيقظ، فتتجه باحثة عن الله الذي أُشْهِدَتْ عليه في عالم الذر، وقد تهتدي فتعرفه على حقيقته وتعبده حق عبادته، وقد تضل. فتتصوره على غير حقيقته، وتتصور معه آلهة أخرى، ثم تعبده على غير ما ينبغي لله سبحانه من إخلاص العبودية والطاعة له، فتشرك معه في العبادة تلك الآلهة الأخرى .. ولكنها في الحالين تبحث عن الله، وتتوجه إليه، وتمارس لونًا من العبودية له.

هنالك أوتار في القلب البشري أعدها الله سبحانه لتتلقى إيقاعات معينة فتهتز .. فإذا اهتزت انطلقت الفطرة تبحث عن الله. وقد تهتدي في بحثها وقد تضل .. ولكنها في كل حال تنطلق إذا اهتزت الأوتار، والإيقاعات التي تهزها لا تنقطع في ليل أو نهار!

الكون أعظم إيقاع يوقع على أوتار القلب البشري ..

الكون بضخامته الهائلة ..

(1) سورة الأعراف: 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت