الصفحة 13 من 379

الموضوع الرئيسي في السور المكية كله هو العقيدة، هو"لا إله إلا الله"بكل موجباتها في الآفاق والأنفس، وكل تفصيلاتها وتفريعاتها، وكل مقتضياتها في واقع النفس وواقع الحياة.

بل نستطيع أن نقول في الحقيقة إن العقيدة هي الموضوع الرئيسي في القرآن كله، مكية ومدنية على السواء. ولكنها في السور المكية تستغرق المساحة كلها، وتستوعب الحديث كله، بينما هي في السور المدنية أشبه بالتيار الجاري تستنبت على شاطئيه الحياة من كل جانب، لتترعرع وتزدهر بعد أن تشبعت بها النفس، فتجيء التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية والفكرية التي تنظم حياة المجتمع المسلم فتشغل معظم المساحة، ولكنها تجيء مرتبطة بالعقيدة، مستمدة منها، نابتة في ظلها، آوية في النهاية لها.

ولقد نحسب لأول وهلة أن هذا الاهتمام البالغ بموضوع العقيدة في السور المكية، والتركيز الشديد عليها بحيث تشغل المساحة كلها، إنما كان لأن العرب في الجاهلية لم يكونوا يؤمنون بالله الواحد، فاقتضى الأمر أن يخاطبوا في شأنها، ويتكرر الخطاب إليهم حتى يصل إلى هذا الحد!

ولكن نظرة سريعة إلى السور المدنية ترينا غير ذلك!

ففي المدينة كان المجتمع المسلم قد قام، وقامت الدولة المسلمة كذلك. وكان قد تربى على العقيدة الصحيحة جيل كامل، بعضه تربى في مكة من قبل، خلال ثلاثة عشر عامًا من الدعوة، وبعضه تربى في المدينة قبل الهجرة وبعدها. بل كان قد تربى لهذه العقيدة جنود"يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ".. وليس بعد تقديم النفس فداء لهذه العقيدة والموت في سبيلها دليل على مدى تأصلها في نفوس أصحابها، وصدقهم في اعتناقها، والتجرد لله فيها. ومع ذلك فقد كان هؤلاء المؤمنون المجاهدون أنفسهم يخاطبون في أمر العقيدة في العهد المدني من أول سورة إلى آخر سورة! وذلك دليل واضح على أن هذا الاهتمام البالغ بأمر العقيدة في القرآن لم يكن سببه إنكار العرب في جاهليتهم، إنما لا بد أن يكون سببه الأهمية الخاصة للموضوع ذاته، حتى وإن كان المخاطبون به مؤمنين.

كذلك نستدل من تكرر الحديث عن العقيدة في السورة المدنية للمؤمنين لا للذين لم يؤمنوا بعد [1] ، أن حديث العقيدة ليس درسًا يُعطى ثم يُمضى عنه إلى غيره! إنما هو درس يعطى على الدوام ثم يُمضى معه إلى غيره! بحيث لا ينقطع الحديث عنه في يوم من الأيام!

والله أعلم بخلقه:"أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [2] . ولو كان يعلم سبحانه أن درسًا عابرًا في العقيدة يكفي، أو جملة دروس وتنتهي، لما ظل القرآن يتحدث عنها في السور المدنية بلا انقطاع حتى آخر آية نزلت من القرآن، وهي قوله تعالى:"وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" [3] . إنما يعلم سبحانه أنه لا بد من التذكير الدائم بالعقيدة حتى للمؤمنين:"وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ" [4] .

ولقد نحسب لأول وهلة كذلك أن القرآن يعطي هذه العناية البالغة للعقيدة -سواء في العهد المكي أو المدني- لأنه كتاب دين!

وهذا من جهة حق لا شك فيه!

(1) من أوضح الأمثلة على ذلك قوله تعالى في سورة النساء:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ" [آية 136] وقوله تعالى في سورة الحديد:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ .." [آية28] .

(2) سورة الملك: 14.

(3) سورة البقرة: 281.

(4) سورة الذاريات: 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت