يولي القرآن أهمية بالغة للإيمان باليوم الآخر حتى ليلحقه في كثير من المواضع بالإيمان بالله مباشرة، إثباتًا ونفيًا .. فيوصف المؤمنون بأنهم هم الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويوصف الكافرون بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، كما يوصف المنافقون بأنهم يزعمون بأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر:
جاء في وصف المؤمنين:
"لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ .." [1] .
"ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ" [2] .
"يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ .." [3] .
"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" [4] .
وجاء في شأن الكفار:
"قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ .." [5] .
وجاء في شأن المنافقين:
"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ" [6] .
"وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا" [7] .
وهكذا يجيء الإيمان باليوم الآخر مرتبطًا ارتباطأً مباشرًا بالإيمان بالله ومتممًا له [8] .
ولا عجب في ذلك في الحقيقة، حين ننظر إلى الثمرة النهائية للإيمان بالله كما رأيناها فيما سبق، وهي الطاعة الكاملة لله .. ولقد علم الله -وهو العليم بمن خلق- أن هذه الطاعة لا يتم تمامها- عند كثير من الناس على الأقل إن لم نقل كلهم- بمجرد الإيمان بالله، إنما بالإيمان الراسخ بأن هناك بعثًا وحسابًا، وثوابًا وعقابًا .. فيتجه المؤمن إلى الأعمال التي تقربه من الله اتقاء لعذابه وطمعًا في ثوابه .. فإذا كانت الطاعة -وهي ثمرة الإيمان بالله- ترتبط بعقيدة اليوم الآخر، فلا عجب إذن أن يلحق الإيمان باليوم الآخر مباشرة بالإيمان بالله ..
ولقد نحسب لأول وهلة أن الحديث المستفيض عن اليوم الآخر في السور المكية كان سببه إنكار العرب الباتّ للبعث والحساب والجزاء:
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ" [9] .
(1) سورة البقرة: 177.
(2) سورة البقرة: 232.
(3) سورة آل عمران: 114.
(4) سورة الأحزاب: 21.
(5) سورة التوبة: 29.
(6) سورة البقرة: 8.
(7) سورة النساء: 38.
(8) يلاحظ أن هذه الآيات كلها مدنية. أما في السور المكية فقد جاء حديث مستفيض عن اليوم الآخر: عن البعث والمساءلة والثواب والعقاب ووصف الجنة ووصف النار. ومعظم مشاهد القيامة هي في الحقيقة في السور المكية. ولكن لم يرد فيها ذلك الربط الجازم بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأن عقيدة البعث والجزاء كانت ما تزال تنشأ إنشاء في قلوب العرب المنكرين لها من قبل أشد الإنكار، فجاء الحديث عنها مستقلا في غالب الأحيان. أما في المدينة فكانت قد استقرت في وضعها النهائي، وأبرزت كذلك في ميزانها النهائي، وهي أنها هي المتممة للإيمان بالله ..
(9) سورة سبأ: 7 - 8.