الصفحة 104 من 379

تحدثنا فيما سبق عن الموضوعات الستة الكبرى التي تتناولها السور المكية، وكيف إنها كلها متصلة بالعقيدة، وكلها وسائل لتوضيح العقيدة الصحيحة وترسيخها في النفوس، سواء منها ما يتصل بالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، أو يتصل بقصص الأنبياء أو قصة آدم والشيطان أو أخلاقيات لا إله إلا الله.

ولكن ينبغي أن نعرف بادئ ذي بدء أن هذه التقسيمات الموضوعية التي نقسمها هي من ضرورات البحث فقط، وليس لها وجود على هذه الصورة المبوبة المعنوية في القرآن! أي أنه لا يوجد باب مستقل في القرآن للإيمان بالله، وباب آخر للإيمان باليوم الآخر .. وهكذا. إنما نحن نضطر لهذه التقسيمات والتجريدات لضرورة البحث، ولا بد أن نعود بعد ذلك إلى القرآن ذاته، نتلوه على صورته الواقعية كما أنزل، ونأخذ تأثراتنا مباشرة منه. وسنجد حينئذ أن التنزيل الرباني الحكيم مزاج محكم من هذا العناصر كلها التي تحدثنا عنها، يوقع في كل مرة توقيعًا متكاملًا على أوتار القلب البشري، يعلم اللطيف الخبير مدخله إلى هذا القلب وتأثيره فيه ..

وليس من الضروري أن تتحدث كل سورة مكية عن هذه الموضوعات الستة التي أشرنا إليها من قبل وإن كان من المؤكد أن تتناول واحدًا منها على الأقل. كما أنه ليس من الضروري حين تتناول السورة أحد الموضوعات أن تتناوله بكل تفصيلاته التي تحدثنا عنها في القسم الأول من هذا الكتاب، ولكنها لا بد أن تتناول بعضها على أقل تقدير. وهذا الأمر ذاته هو لون من ألوان التنويع الملحوظ في القرآن، بحيث لا تتماثل سورتان اثنتان من سور القرآن وإن تشابهتا في بعض الجزئيات. بل حتى حين تكون الجزئيات واحدة في سورتين أو أكثر، فإن طريقة عرضها تختلف في كل مرة، بحيث تعطي جوًا خاصًا في كل مرة، كما تعطي لونًا من التخصص لكل سورة من السور تميزها عن السور الأخرى. ولأهمية هذه الظاهرة أفردنا لها فصلًا خاصًا من الكتاب.

وإذا تتبعنا السور المكية بترتيبها في المصحف فسنجد سورة الأنعام متخصصة -على طولها- في قضية الألوهية. ولا ينفي ذلك ورود إشارات عن مشاهد القيامة، وعن الرسل السابقين، وعن أخلاقيات لا إله إلا الله، وغيرها .. ولكن المساحة الكبرى مخصصة لقضية الألوهية من جميع جوانبها.

وأما سورة الأعراف فتحتوي على أطول عرض لقصة آدم والشيطان ولمشاهد القيامة. ثم تجيء بعد ذلك مجموعة من قصص الأنبياء مع تفصيل مطول لقصة موسى وفرعون. ولا ينفي ذلك أن يرد فيها حديث مباشر عن الألوهية وإشارات إلى الجن والملائكة .. إلخ.

وسورة يونس تتحدث في القسم الأكبر منها عن قضية الألوهية وموقف مشركي العرب منها، ثم تعرج على نوح، ثم تعرض جزءًا من قصة موسى وفرعون ينتهي بغرق فرعون وتنجيته بجسده ثم تعود إلى قضية الألوهية وموقف المشركين منها.

وسورة هود متخصصة في قصص الأنبياء مع تفصيل في الحوار بين الرسل والمكذبين من قومهم. وبهذه المناسبة نذكر أن سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء تورد ذات القصص: قصص نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب، ومع ذلك فهناك فرق واضح بين صور العرض في كل من السور الثلاث في الجو العام والتفصيلات ونقط التركيز. وهكذا تتشابه السور ولا تتماثل مهما تكرر ورود الموضوعات ذاتها في القرآن [1] .

ثم تأتي بعد ذلك سور أقصر، فيها ذات المزاج من الموضوعات المتعلقة بالعقيدة بنسب مختلفة في كل مرة، وبعرض جديد في كل مرة. بحيث يحس الإنسان دائمًا مع القرآن أنه في جو متجدد على الدوام، وأنه يعيش مع الله في كل لحظة وفي كل عرض جديد!

(1) انظر الفصل التالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت