وحين صار"المسلمون"يرون أنهم يستطيعون أن يكونوا مسلمين بلا سلوك عملي ولا أخلاق إسلامية .. أصابهم ما أصابهم من الهوان والذل في الأرض .. وتداعت عليهم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها .. كما حدّث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منذ ألف وأربعمائة عام!
"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله! قال: بل أنتم كثير! ولكنكم غثاء كغثاء السيل!" [1] .
إننا في حاجة لأن نتعرف على ديننا من جديد ..
نتعرف عليه من مصادره الصافية الأصيلة كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-
ثم نحتاج أن نربي أنفسنا على الإسلام من جديد ..
إن الإسلام ليس أماني .. وليس كلمة تقال باللسان:
"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" [2] .
عقيدة في القلب، وعمل صالح في واقع الحياة ..
هذا الذي يعطي الإسلام صورته الحقيقية .. وهذا الذي يرفع عن المسلمين ما وقعوا فيه من مذلة وهوان في يد عدو لا يرقب فيهم إلاًّ ولا ذمة كما ورد في القرآن:
"لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً" [3] .
"وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" [4] .
".. وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ" [5] .
ولن يتم الأمر بغير تربية .. فالسلوك العملي والأخلاق التي هي حقيقة الإسلام وثمرته لا تتم بغير تربية عملية يبذل فيها كل الجهد لكي تؤتي ثمارها المرجوة بتوفيق من الله.
إنك لا تستطيع أن تنشئ طفلك على الصدق والأمانة والوفاء بالعهد والاستقامة في التعامل والجد في العمل -وتلك بعض أخلاقيات الإسلام- بمجرد أن تقول له بفمك: كن صادقًا. كن أمينًا. كن وفيًا بالعهد ... إلخ.
إنما يحتاج الأمر إلى المثابرة الطويلة حتى تعوّده على الصدق والأمانة والوفاء بالعهد ... الخ. مع التذكير الدائم برقابة الله وثواب الله وعقاب الله ..
كذلك كان يفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- معطيًا من نفسه القدوة والأسوة- حتى ربّى الجيل الأول من المؤمنين .. صحابته رضوان الله عليهم.
وبهذه التربية صنعوا ما صنعوا في التاريخ. وتفتحت للإسلام قلوب البشر حين رأوا سلوكه العملي وأخلاقياته العالمية ممثلة في تصرفات هؤلاء القوم وأفكارهم ومشاعرهم.
والطريق هو الطريق .. لا يتغير ولا يتبدل ..
وحين يحدثنا القرآن عن أخلاقيات الجاهلية الكريهة، وعن أخلاقيات الإيمان العالية، يوحي إلينا أن الجاهلية تكون بتلك الأخلاق، وأن الإسلام يكون بهذه الأخلاق ..
وبذلك يكون درس الأخلاق جزءًا من درس العقيدة .. وثيق الصلة بلا إله إلا الله ..
(1) أخرجه أبو داود -كتاب الملاحم.
(2) سورة النساء: 123 - 124.
(3) سورة البقرة: 217.
(4) سورة البقرة: 217.
(5) سورة آل عمران: 118.