الصفحة 180 من 379

من الظواهر التي تلفت النظر في القرآن ظاهرة التكرار. وقد تكون أشد وضوحًا في السور المكية منها في السور المدنية. ولكن السور المدنية كذلك لا تخلو من التكرار.

وقد تحدث"الذين لا يعلمون"من المستشرقين وتلامذتهم من"المثقفين"في هذه الظاهرة ما شاء لهم الحديث.

وحين ننظر إلى القرآن على أنه كتاب التربية لهذه الأمة، وللبشرية كلها التي ينبغي أن تدخل في دين الله، تزول عنها غرابة هذه الظاهرة، وتصبح بعض حكمتها على الأقل مفهومة لدينا.

إن التربية ليست قولة تقال مرة وتنتهي!

وكل من مارس التربية مع صغير أو كبير يعلم إلى أي مدى يحتاج من يتلقى التربية إلى"التذكير"الدائم حتى يستقيم على الأمر المطلوب. ومن ثم يستطيع أن يقدر الهدف التربوي من عملية التكرار في القرآن:

"وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ" [1] .

"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ" [2] .

"المص، كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ" [3] .

"فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى" [4] .

وهكذا يتضح أن التكرار لا يأتي اعتباطًا، إنما يأتي لهدف مقصود.

أضف إلى ذلك أن القرآن قد نزل على مدى ثلاثة وعشرين عامًا متطاولة، فكان المدى بعيدًا بين نزول الآية وشبيهتها إلى حد قد يبلغ عدة سنوات.

ولكن الذي نريد الإشارة إليه هنا هو أننا حتى حين نتلوه مجمعًا على صورته في المصحف، وحتى حين نتلوه متقاربًا لا يفصل زمن كبير بين الآية وشبيهتها، فإننا لا نجد فيه تكرارًا حقيقيًا بالمعنى المفهوم من اللفظ، إنما نجد ظاهرة أخرى في الحقيقة تستحق منا النظر من حيث هي جمال فني في التعبير، ومن حيث هي لون من التأثير الوجداني فريد.

قليل جدًا من الآيات أو من العبارات هي التي وردت بنصها أكثر من مرة في القرآن، لأمر مقصود.

جاءت هذه الآية في موضعين من القرآن، في سورة التوبة [آية 73] وفي سورة التحريم [آية9] للتذكير وشحذ الهمة لمقاتلة الكفار والمنافقين:

"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ"..

وجاءت حكاية قول الكفار:"وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"في أكثر من موضع: في سورة النمل [71] وفي سورة يس [48] وفي سورة الملك [25] كما جاء في صيغة أخرى في سورة السجدة [28] :"وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".

كما جاءت حكاية قولهم كذلك في طلب الآية في أكثر من موضع:"وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ"أو:"لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ"أو:"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...".

والمقصود من هذا التكرار الإشعار بأنهم يكثرون من ترديد هذه الأقوال ويلحون في التحدي وفي طلب الآية ..

وفيما عدا هذا القليل النادر الذي يكرر بلفظه لهدف مقصود، نجد أن الظاهرة الحقيقية ليست هي"التكرار"وإنما هي"التنويع"!

ولبيان هذه الظاهرة نحتاج أن نتحدث قليلًا في"اللفظ"و"المعنى"و"الموضوع"و"الأسلوب".

(1) سورة الذاريات: 55.

(2) سورة ق: 37.

(3) سورة الأعراف: 1 - 2.

(4) سورة الأعلى: 9 - 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت