كانت الفترة السابقة -في مكة- فترة تربية وإعداد ..
تربية بالعقيدة، وإعداد لحمل الأمانة الكبرى التي لم تحملها أمة أخرى من قبل، وهي تحقيق منهج الله في واقع الأرض، والقيام في الوقت ذاته بقيادة البشرية قيادة راشدة مهتدية بنور الله:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" [1] "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [2] .
فأما التربية فكانت قد آتت ثمارها بالفعل في نفوس الفئة المختارة التي رباها على عينه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلال ثلاثة عشر عامًا في مكة ..
كانت"لا إله إلا الله"قد تعمقت في نفوسهم حتى أصبحت واقعهم الذي يعيشونه، وزادهم الذي يتقوتون به. وعرفوا -إلى درجة اليقين- معنى الألوهية الحقة، ومعنى العبودية الحقة لله.
لم تعد الأرباب الزائفة تخطر في مشاعرهم، أو تمارس سلطانها عليهم ..
لا الأصنام التي يعبدها المشركون عبادة حسية، فيسجدون لها ويقدمون القرابين إليها. ولا"القبيلة"التي يقول عنها شاعرهم:
وهل أنا إلا من"غزية"إن غوت ... غويت، وإن ترشد"غزية"أرشد!
ولا عرف الآباء والأجداد الذي يلتزمون به من دون الله، ويطيعونه في المخالفة عن أمر الله:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا" [3] .
ولا الهوى الذي يتخذونه إلهًا فيعميهم ويصمهم عن الحق:"أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ" [4] .
إنما هو إله واحد، لا شريك له في الخلق، ولا شريك له في الأمر:"أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ" [5] .
ولهذا الإله الواحد تتجه نفوسهم بالعبادة والطاعة، وبالرجاء والخشية، ويتمثلون صفاته التي عرّفهم بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فتتعمق هذه الصفات في نفوسهم وتحيط بكل جنباتها، فتشكل مشاعرهم نحو الله وتحددها. فإذا عرفوا أنه"هو الرازق ذو القوة المتين"لم يتوقعوا الرزق من غيره، ولم يتطلعوا إلى غيره ليرزقهم. وإذا عرفوا أنه هو الضار النافع، وهو المحيي المميت، ولم تعد في قلوبهم خشية من غيره أن يضرهم، ولا تطلع إلى غيره أن ينفعهم؛ لم تعد قريش أو غيرها من أهل الأرض جميعًا هي التي تملك أمرهم، أو تملك شيئًا من أمرهم .. إنما هو الله .. وما دام هو الله -وحده لا شريك له- فهو إذن الذي يُعبد، وهو إذن الذي يطاع. وتصبح عبادته وطاعته -في حسهم- هي الحياة. تصبح هي الواقع الذي يمارسونه، وهي المشاعر التي تجيش في خواطرهم، وهي الفكر الذي يخطر على عقولهم .. وهي الأمر الذي يستحق أن يعاش حقًا، وتعاش من أجله الحياة في هذه الأرض ..
وتنفسح الحياة في حسهم حين تصبح هي عبادة الله ..
لقد كانت من قبل شيئًا تافهًا مزريًا لا يستحق أن يعاش.
كانت خواء لا يملؤه شيء في الحقيقة ..
مجالس اللهو والشراب من جهة، والحرب والغارات في إطار الحمية الجاهلية من جهة أخرى:
ألا أيهذا الزاجري أحضرَ الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟!
ثم الواقع القريب المحصور فيما تدركه الحواس، حتى في العبادة المشوهة، فضلًا عن مصالح الأرض اللاصقة بالتراب!
ومن هناك رفعتهم"لا إله إلا الله"..
رفعتهم من واقع الحس القريب في العبادة إلى الله الذي لا تدركه الأبصار ..
(1) سورة آل عمران: 110.
(2) سورة البقرة: 143.
(3) سورة لقمان: 21.
(4) سورة الفرقان: 43.
(5) سورة الأعراف: 54.