ورفعتهم من واقع الأرض المحدود إلى واقع الصورة المتكاملة التي يكملها اليوم الآخر الذي لا تحده الحدود ..
ورفعتهم من مصالح الأرض القريبة ومجالس اللهو وغارات الجاهلية إلى أن يعيشوا"العقيدة"يعطونها فكرهم ومشاعرهم وجهدهم، ويحتملون في سبيلها الأذى والحرمان والتشريد والتعذيب، راضية نفوسهم بلا إله إلا الله!
لقد كانوا في الحقيقة يعيشون مولدًا جديدًا بلا إله إلا الله لم يكونوا يعرفونه من قبل، فلما عرفوه وتذوقوه، أصبح بالنسبة إليهم هو الحياة ..
تلك كانت فترة التربية التي عاشوها في مكة، يطوّف بهم القرآن في آيات الله في الكون .. في الدقة المعجزة والضخامة المعجزة .. في الحياة والموت .. في عجائب الرزق .. في تدبير الكون .. في علم الله الشامل للغيب .. في قدرته التي لا تحد .. في معجزاته التي أيد بها أنبياءه .. في إملائه للكفار ثم تدميره عليهم .. في مشاهد القيامة بنعيمها وعذابها وحشرها وحسابها .. في قصة آدم والشيطان .. في الجن والملائكة .. في أخلاقيات لا إله إلا الله .. أو -باختصار- يطوّف بهم في حديث"العقيدة"وما يتصل بها من موضوعات ..
ومن خلال التربية بالعقيدة كان يتم الإعداد ..
لقد كانت هذه الأمة -كما قلنا- تعدّ لحمل الأمانة الكبرى التي لم تحملها أمة من قبل ..
فهل كان يمكن أن تُعَدَّ لها دون أن يتعمق في قلوبها معنى لا إله إلا الله، ودون أن تتربى على التجرد لله؟!
وكيف إذن تقوم بحمل الأمانة، وهي أمانة ذات تكاليف في النفس والمال، كما أنها ذات تكاليف في الفكر والعمل والشعور؟!
وهل كان يمكن لها -قبل أن تتربى تلك التربية الفذة بلا إله إلا الله- أن تبقى على مستواها الرفيع ذلك حين تمكّن في الأرض؟
إن السلطان في الأرض يغري بالطغيان .. ولقد أغرى بالطغيان أجيالًا لا حصر لها من أجيال البشرية! فمن أين كان يتأتى لهذه الأمة أن تقدم نماذجها الرفيعة في تحقيق العدل الرباني في الأرض لو لم تتربّ تلك التربية الفذة بلا إله إلا الله؟
بل من أين لها -كان- أن تحقق معنى"الأمة"، وهو معنى ضخم لم يتحقق في واقع الأرض إلا على يدي هذه الأمة التي قامت على عقيدة في الله، فارتبطت فيها قلوب البشر على هذه العقيدة، فذابت الأجناس واللغات والشعوب والقبائل لتكون أمة واحدة لا مثيل لها من قبل ولا من بعد في تاريخ تلك"الأمم"الزائفة التي التقت على اللون والجنس، أو اللغة والأرض، أو"المصالح"الأرضية المشتركة التي تمثل النزاع في الحقيقة أكثر ما تمثل الوفاق واللقاء!
ومن أين لها -كان- أن تعطي تلك النماذج الفريدة من الوفاء بالعهد، ومن الصدق، ومن معاملة الأمم المفتوحة معاملة"أخلاقية"لا تقوم على السلب والنهب والسيطرة والتحكم، إنما تقوم على إعطاء النموذج المحبب الذي يقود -في رفق- إلى التخلي عن الجاهلية الوثنية والدخول في طاعة الله ..
ومن أين لها -باختصار- أن تكتب ذلك التاريخ الفذ الذي كتبته في واقع الأرض في كل مجال من مجالات الحياة، في سياسة المال والحكم، في بطولات الحرب والسلم، في الحضارة والعلم، في الانسياح السريع في الأرض على غير مثال مسبوق من قبل ولا ملحوق .. ؟!
ألا إنها العقيدة هي الركيزة التي قام عليها ذلك البناء كله، وما كان يتأتى -من غيرها- أن يقوم.
وحين علم الله من قلوب هذه الفئة التي تربت بلا إله إلا الله على عين رسول الله -صلى الله عليه وسلم .. حين علم منها أنها تجردت لله وأخلصت له، وأصبح الله ورسوله أحب إليها مما سواهما .. عندئذ نقلها النقلة الثانية الهائلة لتقوم بدورها المطلوب ..
كانت النقلة الأولى نقلة العقيدة .. من الأرباب المتفرقة إلى لا إله إلا الله ..