والنقلة الثانية كانت من فترة الابتلاء والتمحيص، من فترة الاستضعاف والتشريد، إلى التمكين في الأرض والاستخلاف.
وكما كان القرآن -وتعاليم الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو أداة النقلة الأولى من الكفر إلى الإيمان، فكذلك كان هو أداة النقلة الثانية إلى التمكين والاستخلاف .. فكيف كان الكتاب هو الموجّه والمربي في فترة التمكين؟ وفي أي الموضوعات كان يتحدث القرآن؟
تتحدث السور المدنية عن العقيدة كما أشرنا من قبل. ولكن حديث العقيدة هنا لا يأخذ المساحة التي كان يأخذها في السور المكية لأنه هناك كان للتأسيس، وهو هنا للتذكير. لقد تأسست العقيدة بالفعل في فترة التربية العقيدية في مكة، واليوم يقوم مجتمع مسلم ودولة مسلمة في المدينة، تحتاج إلى تنظيمات وتشريعات، وتحتاج إلى جهاد لحمايتها من أعدائها بادئ ذي بدء، ثم لنشر الإسلام في الأرض فيما بعد. ومن ثم يحتل هذان الموضوعان الجديدان معظم المساحة في السور المدنية: التنظيمات والتشريعات، والجهاد في سبيل الله.
ولكن الذي يسترعي النظر أن حديث العقيدة لم ينقطع ليبدأ الحديث عن هذين الموضوعين. بل استمر على ذات النمط المكي -وإن كان في حيز أقل- فتحدث عن الألوهية، واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين والقدر خيره وشره، وقصص الأنبياء، وقصة آدم والشيطان، وأخلاقيات لا إله إلا الله. وتحدث في كل واحد من هذه الموضوعات عن مفرداته جميعًا كما كان يتحدث القرآن في مكة. فتحدث في الألوهية عن الكون بضخامته المعجزة ودقته المعجزة، وعن الموت والحياة، وعن حدوث الأحداث وجريانها، وعن الضعف البشري في مقابل القدرة التي لا يعجزها شيء، وعن علم الغيب. وتحدث في اليوم الآخر عن البعث والحساب والثواب والعقاب .. الخ .. الخ ..
كما أن هناك ما يسترعي النظر أكثر من ذلك: أن الموضوعين الجديدين الذين استغرقا أكبر مساحة من السور المدنية، وهما التشريعات والتنظيمات، والجهاد في سبيل الله، لم يعالجا كموضوعين قائمين بذاتهما، وإنما عولجا من خلال العقيدة، وانبثاقًا منها!! وهذا هو العنصر الأهم في الموضوع كله! فليس في هذا الدين عقيدة منفصلة وتشريعات وتنظيمات منفصلة! ولا عبادات منفصلة ومعاملات منفصلة! وإنما كله وحدة، وكله"عبادة"بالمعنى الشامل للعبادة، الذي تتضمنه الآية:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [1] وتفسره الآية:"قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [2] .
وقد يكون اتصال الجهاد في سبيل الله بالعقيدة أمرًا طبيعيًا في حس كثير من الناس لا يسترعي الانتباه. ولكن اتصال التشريعات والتنظيمات بالعقيدة، بل انبثاقها منها، هو الذي يسترعي الانتباه حقًا ويحتاج إلى شيء من البيان.
لقد درجنا في أيامنا الأخيرة -وبسبب العدوى الوافدة إلينا من الغرب- أن نتحدث عن الإسلام كنظام. نظام سياسي واقتصادي واجتماعي .. الخ. ولا شك أن في الإسلام تنظيمات سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وأخلاقية .. الخ. ولكن الحديث عن أي تنظيم أو نظام إسلامي بمعزل عن العقيدة إنما يفقده روحه، ويحوله -كأي نظام آخر- إلى نظام تقوم عليه"الدولة"وتحرسه تنظيماتها ولا زيادة!
وليس الأمر كذلك في الإسلام!
(1) سورة الذاريات: 56.
(2) سورة الأنعام: 162.