الصفحة 102 من 379

"قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [1] .

ذلك هو الميثاق الأخلاقي الشامل الذي يلتزم به المؤمن اتباعًا لصراط الله المستقيم فهو إذن جزء من العقيدة، مرتبط بها ارتباطًا أساسيًا لا ينفصل عنها بحال ..

وإذا عرفنا هذين الأمرين عن الأخلاق الإسلامية فلننظر في"أخلاقيات"الجاهلية المعاصرة ..

لقد كان لأوربا في وقت من الأوقات -وقت دخول المسيحية إليها- مفهوم شامل للأخلاق .. ولكنه لم يعش طويلًا، أو قل إنه لم يطبق أبدًا في واقع الأمر! ثم جاء مكيافيللي فابتدع مبدأ وقال القائلون: إن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق!

ثم جاءت الثورة الصناعية مع مولد الرأسمالية الربوية .. وقامت اعتراضات على استخدام الربا وهو محرم من عند الله، فقامت الصيحات تقول: إن هذه أمور اقتصادية .. والاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق!

ثم جاءت حركة التحلل الجنسي البشعة التي تعم وجه الأرض اليوم .. وقال الغرب هذه مسألة بيولوجية! وليس لها علاقة بالأخلاق!

فماذي بقي عندهم من"الأخلاق"؟

بقي هذا التعامل السمح، والصدق في القول، وأمانة الأخذ والعطاء، والوفاء بالمواعيد، واتقان العمل ..

وهذه كلها أشياء جميلة ولا شك .. ولكن أوربا لا تصنعها بوازع أخلاقي! كلا! إنما هي"أخلاق تجارية"إن صح التعبير .. هدفها الحرص على الزبون، والربح المتوقع من وراء ذلك السلوك!

أما إذا كان الزبون"فريسة"مضمونة، أو رأى الأوربي أن الربح ممكن بطريق آخر .. فلا أخلاق إذن .. بل لا إنسانية على الإطلاق! وانظر إلى"أخلاق"أمريكا مع الزنوج، و"أخلاق"البيض في جنوب إفريقيا، وعشرات غيرها من صور"الأخلاق"التي تكشف عن المعدن الحقيقي لهذه الجاهلية الموغلة في الظلم والظلمات!

أما نحن .. فمسئوليتنا أكبر!

نحن نملك هذا المنهاج الرباني الشامل، ثم نعيش في جاهلية أكثر ظلامًا من جاهلية الغرب الذي ليس له منهاج رباني، ولا صراط مستقيم يفيء إليه .. منذ رفض في القرون الوسطى أن يدخل في هدي الله ..

نحن نخالف في حياتنا العملية كل تعاليم الإسلام .. ثم نزعم أننا -نحن- أمة محمد! وأننا مسلمون!

ثم نروح نتساءل: ما بال"المسلمين"هكذا، يتناوشهم الذل والهوان في كل الأرض، ولا معين لهم ولا نصير؟

مسلمون بلا أخلاق؟!

كيف بالله ذلك يكون؟

ومتى .. ومتى كان هذا الدين مشاعر مكنونة في القلب، ليس لها رصيد سلوكي في واقع الأرض؟

حين كان المسلمون يترجمون إسلامهم إلى سلوك عملي ذي طابع خلقي .. كانت لهم الغلبة في الأرض، وكان لهم قياد البشرية ..

(1) سورة الأنعام: 151 - 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت