ظاهرة أخرى لا بد أن تلفت نظر القارئ لكتاب الله، هي الاختلاف الواضح بين السور المكية والسور المدنية في طريقة التعبير وبناء الآيات. فالسور المكية -في الغالب- قصيرة الآيات سريعة الحركة، سريعة النبض، مثيرة للوجدان. والسور المدنية -في الغالب- طويلة الآيات، متأنية الحركة، أقرب إلى إثارة التأمل الفكري منها إلى إثارة الوجدان. ذلك هو الغالب، وإن كانت هناك في الحقيقة استثناءات غير قليلة لهذه القاعدة العامة. فإنك لا تستطيع -مثلًا- أن تميز سورة الأحزاب عن السور المكية إلا بموضوعها، لا بجرسها، ولا بطول الآيات فيها. كما أنك لا تستطيع تمييز سورة الزلزلة عن السور المكية لا بموضوعها ولا بجرسها جميعًا!
وقد قال الذين لا يتدبرون القرآن ولا يفهمونه كلامًا في هذه الظاهرة كذلك!
والأمر واضح لا غرابة فيه. فحين يكون الموضوع الرئيسي في السور المكية هو العقيدة -بتفصيلاتها التي سنتكلم عنها فيما بعد- يكون الأسلوب المناسب هو الحركة السريعة والنبض السريع ومخاطبة الوجدان، مكمن العقيدة، وحين يكون الموضوع الرئيسي في السور المدنية هو التشريعات والتنظيمات، وبناء المجتمع المسلم وإقامة الدولة المسلمة وتثبيت أركانها إزاء الكيد الذي يكيده لها أعداؤها، يكون الأسلوب المناسب هو الحركة المستأنية، والمخاطبة العقلية التي تدع المجال للتدبر والتفكير. ومع ذلك فهو ليس ذلك الأسلوب العقلي الجاف الذي تستخدمه البحوث العلمية، ولا هو التجريد الذهني البحت الذي تستخدمه الفلسفة. إنما هو نسق فريد من التعبير لا مثيل له فيما يكتب البشر أو يتحدثون. لا يفقد النبض الحيّ ولا الجرس الموسيقي حتى في آيات التشريع البحت، ولا يخاطب عقل الإنسان وحده دون بقية كيانه، كما سنرى في شيء من التفصيل عند عرض نماذج من السور المدنية.
أما الظاهرة التي تهمنا أكثر من غيرها في هذا التمهيد القصير فهي تلك التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة: أن السور المكية مشغولة كلها بالعقيدة -ولا شيء غير العقيدة- خلال ثلاثة عشر عامًا من الزمان. وأن التشريعات والتنظيمات لم يتنزل منها شيء في مكة إلا توجيهات عامة. بينما السور المدنية هي المشغولة بالتشريعات والتنظيمات، وإن كانت لا تخلو بحال من الأحوال من حديث العقيدة الذي لا ينقطع الحديث عنه في كتاب الله من أوله إلى منتهاه!
وفي الفصول القادمة نتحدث عن السور المكية والسور المدنية: ما موضوعاتها التفصيلية؟ وكيف يتناولها القرآن؟
ثم نعرض نماذج من هذه وتلك تبين الموضوعات والطريقة على السواء.