"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ، وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ، وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ" [الأنفال: 30 - 36] .
هناك شيء آخر إذن غير مكان نزول الآية وزمان نزولها هو الذي حدد موضعها في المصحف ..
وأول ما يخطر في البال إزاء هذه الظاهرة أن هناك وحدة موضوعية لكل سورة من سور القرآن. وإلا فلو كان القرآن مختلط الموضوعات بلا رابطة كما يقول الذين لا يتدبرون القرآن ولا يفهمونه من المستشرقين وتلامذتهم من"المسلمين!"ما كان هناك معنى لإلحاق آية مدنية بسورة مكية، ولا آية مكية بسورة مدنية؛ ولكان الأولى أن توضع حيث نزلت، في أية سورة متجانسة معها في الزمان والمكان!
بل إن وضعها في سورة غير متحدة معها في الزمان والمكان في موضع معين منها بالذات لهو أشد دلالة! فقد كان جبريل عليه السلام يتنزل بالوحي ثم يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وسلم بأن مكان الآية أو الآيات هو في سورة كذا، بعد آية كذا .. فهي إذن توضع في مكانها المقرر لها في اللوح المحفوظ، بصرف النظر عن مناسبة نزولها من حيث الزمان والمكان .. وهي من جهة أخرى لا بد أن تكون ذات صلة موضوعية بالسورة التي ألحقت بها وإن كانت لم تتنزل معها!
ولقد عني صاحب"الظلال"بهذه الوحدة الموضوعية في كل سورة بذاتها، فبيّنها بما لا يحتاج منا إلى مزيد، ولكنّا فقط نشير إليها هنا ونسجلها، ثم نعود إليها إن شاء الله مرة أخرى ونحن نبسط بعض النماذج من السور المكية والمدنية لنؤكدها، وخاصة في السور الطوال: البقرة وآل عمران والنساء التي قد تبدو في حس الذين لا يتدبرون القرآن خليطًا الموضوعات لا يربط بينها رباط!